|
الخوارق الروحية بين الحقيقة والتوهُّم |
|
|
|
|
Written by د. سام علي
|
|
Wednesday, 08 December 2010 16:26 |
|
الخوارق الروحية بين الحقيقة والتوهُّم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! راودني كثيراً خاطرُ البحث في حقائق الخوارق الروحية والمادية الجارية على أيدي قلة قليلة من الناس، الذين اختارهم الله ــ عزَّ وجلَّ ــ ليكونوا ابتلاءً وفتنة للآخرين.(1)
وكنتُ أُحاول جهدي تجاهل ذاك الخاطر، الأشبه برغبةٍ روحيةٍ نفسيةٍ عارمة، إلى أنْ جاء اليومُ الذي أصبح لا بُدَّ لي فيه من رأيٍ وموقف، إذ ضرورة بحث هذه المسألة كبيرة، والحاجة إليها ملحَّة؛ فقررتُ أنْ أدلي بدلوي بكل شجاعة وثقة واطمئنان وصدْق وشفافية وموضوعية وحيادية.. كعادتي. وعلى الله اتكالي، وهو غايتي. أقول: وَقَفَ الإنسانُ، مُذْ وُجِدَ على هذا الكوكب، وقفةَ العاجز عن فهْمِ كُلِّ ما يحيط به من طبيعة الموجودات وحقائق الظواهر الكونية.. وحاول فهْم طبيعة الأشياء بما فيها نفسه، وتفسير ما يجري حوله، فهماً وتفسيراً روحياً ومادياً، فلسفياً وعِلمياً، منطقياً واعتباطياً.. فنجح في مسيرته تلك، وأخفق، بقدْرِ توافق إمكاناته العقلية والمادية والظرفية مع حجم الحلْم الاستكشافي الذي حلم به. واعتمد الإنسانُ في نجاحاته العِلمية والمعرفية على الأصول والمبادئ التي تلقَّاها مباشرة عن أنبياء الله ووحيه، أو التي اكتشفها من خلال جميل ما أَودعه خالقُه من أسرار تكوينية عظمى(2)، فكان كائناً معجزةً، كما أراده الله تعالى؛ وكان أهلاً لظهور العجائب على يديه! وعرف الإنسانُ الزيغَ والغلو والانحراف والشطط منذ فجر وجوده، بالغفلة والصحوة، وعمداً وعن غير عمد، وكان في كلِّ مراحل وجوده على ذات الحقيقة التي كُوِّن منها، واحداً في الفطرة والخِلْقة، إذ من ذات الطينة كان سائر الناس!(3) يختلف ببعض التفاصيل والجزئيات عن أخيه الإنسان الآخَر، ولكن يبقى واحداً في الأصل وثوابت التركيبة البشرية. يتأثر بالبيئة والمناخ الذي ينشأ به، وبمورِّثاته المتطورة من جيل إلى آخَر، بحسب التزاوج والتفاعل البيئي والطبيعي.. يشترك مع سائر أبناء جنسه بوحدةِ "الروح الطاهرة" التي تُعطي الحياةَ كما يشترك معهم بالأصل الواحد!(4) يختص ويتميَّز، وربما يختلف، عن آخَر بسلوكه وعمله، فمِن الناسِ أُناسٌ ذووا سموٍّ روحي ونبل أخلاقي ورقي سلوكي وعملي وإبداعٍ فكري، ومنهم غير ذلك! وبكل مشتَرَك كان للإنسان مع أخيه الإنسان، وبكل خصوصية كانت لكلٍّ منهم، وقفَ الإنسانُ ليرى سُنةَ اللهِ التي ليس تبديلاً ولا تحويلاً، السنة: الناموس الإلهي لهذا الكون، وليرى أيضاً عجائب ظهرتْ من أناسٍ لا يجمعهم شيءٌ سوى اختيار الله لهم ليكونوا ابتلاء وفتنة لأنفسهم وللناس أجمعين. فمِن كُلِّ أهل الملل والنِّحل، ومن الذين لا يُحْسَبون على مِلَّة ولا نِحلة، ومن كل الأجناس والأعراق والألوان، وعلى مرِّ الدهور، كان هناك مَن يقول أنه جرى على يديه أُعجوبة ما! فما حقيقةُ هذه الأعاجيب، ولماذا لم تُختَص بقومٍ دون غيرهم أو بفئة دون غيرها؟ أُميّز بدايةً بين معجزات الأنبياء العظيمة التي أتت لتكون دليلاً ودعماً لرسالاتهم، القليلة عدداً مع قلة عددهم، المواءمة لطبيعة الوحي والمرحلة وحقيقة الإنسان البشرية، وبين كرامات "الأتقياء والصالحين" من كل مِلَّة ودين، فمعجزات "الأنبياء والرسل" كانت كبيرة جداً ومتنوعة ومرتبطة بمقامهم النبوي والرسالي وبعلمهم الإلهي الذي عُلِّموه، أما كراماتُ "الأتقياءِ والصالحين" فكانت مجرَّد حالاتٍ استثنائية محدودة، غير مرتبطة بمقام وغير مقرونة بالعِلم ضرورة؛ فضلاً عن نسبة ظهور معجزات "الأنبياء والمرسلين" مقارنة مع عددهم ونسبة ظهور كرامات "الأتقياء والصالحين" مقارنة مع عددهم أيضاً. فيكاد لا يوجد نبي واحد، ولا مُرسَل، إلا وأيَّده اللهُ بمعجزة حقيقية كبرى تناسب نبوته ورسالته (ظرفاً ومناخاً)، بينما لم تصح مرويات الكرامات المنسوبة للأتقياء والصالحين إلا على عدد قليل منهم، ناهيك عن الاختلاف بالطبيعة والقوة بين معجزات "الأنبياء والمرسلين" وبين كرامات "الأتقياء والصالحين". أما حقيقة الأعاجيب فحقائق عِلمية مجهولة الكيف بالنسبة لنا، يجريها اللهُ، لحكمةٍ يقتضيها، على أيدي أشخاصٍ لهم قوى روحية خاصة؛ أشخاصٌ مختلفون بالأرواح والصور، متشاكلون بمقام العبودية والافتقار إلى رب البشر. وخلاف ذلك: كذبٌ، أو ادعاءٌ، أو شعبذة.. وبمعنى آخَر: حقيقةُ الأعاجيب، أو ما يُسمَّى بالخوارق، هي: مشاهدةُ حَدَثٍ أو أثرٍ خارج عن المألوف والمعروف، مجهول كيفية حدوثه ، معلوم غاية ظهوره، إذ سرّه الله ودلالته على الله! فسرُّهُ غامض إذ لا نحيط بعِلم الله ولا قدرته إلا باليسير الذي قدَّره لنا، ودلالته وجودُ إلهٍ خالقٍ قادرٍ يُكيِّفُ الوجودَ بالكيف الذي يريد. أيْ: يُستَدَلُّ من حدوث الخارق أن المادة، أو القانون المادي الذي نعرفه، لا يحكم العالَم بمطلق المطلق، وإنما بأمر الله وإرادته وحكمته.. وبناءً عليه، تدل القدرةُ التي تظهر ــ تفويضاً أو تأييداً أو تشريفاً أو امتحاناً ــ(5) على قدير أجراها، هو الله، لا على ذاتِ مَن تظهر القدرة على يديه، إذ كل مَن جرت القدرة على يديه هو مخلوق عاجز مقهور، مثله مثل أعاجيب الكون الأخرى وآياته كالبراكين والثروات الباطنية المخزونة في الأرض، فهي لا تدل على تفضيل أرض على أرض، ولا شعب على شعب، ولا قوم على قوم، وإنما على إله مُبْدِعٍ حكيم..(6) إذاً، الخارق أو العجيب الذي يظهر على أيدي قلة قليلة من الناس لا يدل على فضلهم وكرامتهم بقدْر ما يدل على ضرورة وجود هذا الخارق بهذا الظرف، الأمر الذي ينبِّهنا إلى وجوب ترك الغفلة ومراجعة الذات وإعادة النظر في الأمور.. فالحقيقة المحضة أن بعض الخوارق ظهرت من أُناسٍ لا يمتُّون للدين والمُثل العليا بصلة!(7) أما معجزات الأنبياء والمرسلين فهي متممات لمعجزتهم وفضيلتهم الأم: النبوة والرسالة، ولهذا تُميَّز معجزة النبي والرسول كيفاً وكماً ودلالة وغاية عن الخوارق الأخرى. بقي أنْ نقول: جاء الإسلام ليكون السلام العالمي والرحمة الكونية. جاء ليُحيي حقيقة قرب الإنسان الكريم من الله وافتقاره إليه وحده. جاء ليؤسس الجامعة الكونية العظمى: جامعة الإنسان، جامعة اقرأ وتعلَّم بالقلم.. (اقرأ واكتب..) جاء ليقول أن الأنبياء والرسل بشر مختارون مصطفون.. وأن الإنسان عزيز وكريم.. جاء ليقول بفناء المخلوقات وبقاء الأعمال.. جاء ليقول بفضل العِلم وقيمة العمل الصالح.. جاء ليقول إن الإنسانَ يُقوَّم ويُزانُ حسب عمله وسلوكه، وأنه لا يُحاسَب عمَّا جَهِلَ بحُكم الضرورة وقهْر الظرف، بل يُجازى خيره بخيرٍ منه وشره بشرٍّ مثله. جاء ليقول انسوا الأشخاص وتذكَّروا أنفسكم وخالقكم.. جاء ليقول تحدَّثوا عن معجزة القرآن وما يجمعكم، وأعرضوا عن البدع والمستَحْدَثات.. جاء ليُحرر الإنسانَ من عبودية أخيه الإنسان، ومن ظلمة الجهل، وخوف المجهول، ورهبة الامتحان.. جاء ليعلِّم حقيقةَ الآداب الحسنة وكيف يكون الاحترام.. جاء ليقول: ليس الاحترام بالمذلة والمسكنة، ولا التواضع بالتصنُّع، ولا حب الله ببغض الناس، ولا الولاء له بالبراء من معظم خلقه.. جاء ليقول قول نبيه "خاتم الأنبياء وسيد المرسلين": وما بعثتُ إلا لأُتمم مكارم الأخلاق.. جاء ليبين أن المسؤولية الملقاة على عاتقنا، وأمانة الله في أعناقنا، هي خدمة الناس وحبهم، هدايتهم وإرادة الخير لهم؛ لا كرههم وبغضهم، ولا البُعد عنهم والتبرؤ منهم وإرادة السوء بهم؛ فكل الخلْق عيال الله وخيرهم أنفعهم لعياله. جاء ليبين أن دين الله هو توحيد الله؛ وأن التوازن النفسي والداخلي هو أساس ارتقاء الإنسان وبلوغه الكمال الإنساني..
وبهذه الخلاصة المختصرة أختم هذا العمل المتواضع، وأستودعكم الله؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سام محمد الحامد علي www.sam-ali.net
الحواشي: (1) خيراً أو شراً، قال تعالى: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة". [سورة الأنبياء، الآية: 35] (2) فطرة الله التي فطر الناسَ عليها. (3) أصل السلالات البشرية حسب القرآن الكريم وسائر الديانات الكتابية آدم ــ عليه السلام ــ. (4) ثَبُتَ أن آدم ــ عليه السلام ــ أبُ البشرية جمعاء، وجاء في تفاصيل خلقه أن الله ــ تبارك وتعالى ــ قد نَفَخَ فيه من روحه! وبناءً عليه، كل ذرية آدم (ع) لها نصيبٌ من النفخة الإلهية. (5) التفويض: التوكيل، كقوله تعالى: "قل يتوفاكم مَلَكُ الموتِ الذي وُكِّل بكم". [سورة السجدة، الآية: 11] والتأييد كالذي يكون للأنبياء والمرسلين، والتشريف كالذي يكون للمختارين من الأتقياء والصالحين، والامتحان كالذي يكون لشخص يمتلك قدرات خارقة في حدسه أو فِعله.. (6) من مرويات البراهين والكرامات، والخوارق والمعجزات، ما هو محض كذب وافتراء، أو محض توهُّم، أو نقل دون نظر ولا دراية ولا تحقيق. ولو اعتمدنا مبدأ التحقق من الأمور قبل القناعة بها أو روايتها، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم في هذه الأمور، لَرأينا أن معظم المرويات لا تمت للحقيقة بصلة، ولا للدين، وأن المؤمن التقي الورع النقي الصالح الذي يُكرِّمه الله بشيء من كراماته هو أكثر الناس تحقيراً لنفسه أمام عظمة الله، وأشد الخلق تواضعاً لله وخلقه، وأحرصهم على توحيد الله والدلالة عليه وحده ونسْبِ الجميل إليه دون سواه! ولو أَذِنَ اللهُ لشخصٍ من أولئك بالنطق بعد مماته ورؤيته لافتتان الناس به لَقال: لا تسألوني من دون الله ولا تجعلوني واسطة بينكم وبين الله خالقكم، وإنما اسألوا الله بأرواحكم وأعمالكم الصالحة فهو أقرب إليكم من حبل الوريد. لا تتوجَّهوا إليَّ بالأعمال ولا القربات، بل توجَّهوا بها إلى الذي كرَّمكم بهذه الفطرة الطيبة الحسنة وهذا الحب والوفاء. ادعوا لي بالخير أنْ كنتُ أميناً ووفياً واسألوا الله لي الزيادة، ولكن لا تلجأوا إلا لله، فهو يسمع بلا واسطة، ويجيب من غير وسيط، ويعطي إذا أراد ويمنع.. قلِّدوني بالتقوى والورع وحب الخير والإخلاص لله، ولا تجعلوا مني سبباً لترك الواجبات والتهاون بها والتقصير بحقوقها وتجاوز الحدود والابتداع في الدين.. أحبوني حب المؤمنين وأنزلوني منازلهم بلا زيادة ولا نقصان.. (7) قال تعالى: "كُلاً نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً". [سورة الإسراء، الآية: 20]
|