|
حقيقة الإسلام ومقامات المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! تشتكل حقيقةُ الإسلامِ على كثيرٍ من الناس، من أهل الديانات السماوية الكتابية: يهود ومسيحيين، ومن غيرها: صابئة وهندوس وديانات أخرى إلى الدهريين والملحدين؛ ويَخلط الناسُ بين الإسلام كدينٍ وبين سلوكِ وممارسةِ المسلمين كبَشرٍ، وبين الإسلامِ كحقيقةٍ وجوهرٍ وبين الإسلامِ كتقديمٍ ومَظْهَرٍ؛ ويُرْبَطُ الإسلامُ بالزمان والمكان والأشخاص وهو في الحقيقة فطرةٌ وسموّ وارتقاءٌ..!
ويتعدَّى الجهلُ بالإسلام، أو الإساءة إليه، دائرةَ غيرِ المسلمين حيث يطال المسلمين أنفسهم، ببعضهم المفتون بجهله، المغرور بعِلمه وقناعاته..[1] وأمام هذا الظلم الكبير، والتحدِّي الأكبر، كان لا بد لي من وقفة تأملية تحليلية شاملة على مفهوم الدين والتديُّن، الإسلام والتأسلم، الشريعة والحياة! والله الموفِّق، وهو الهادي؛ وإليه القصد والمرجع..
الإيمان والكفر (الدين بين الإقرار والإنكار) (الإسلام بين الصورة والمعنى)
قبل أن نُعرِّف الإيمانَ والكفرَ لغةً واصطلاحاً، كعادتنا، نُبيِّن الحقيقةَ الكبرى التالية: كلُّ ما في هذا الوجود خاضعٌ لقانونه (قانون الوجود المادي والإنساني) الذي قوننه مُوجِد هذا الوجود، بحكمةٍ لا بصدفة، لغاية لا بلا غاية؛ آمنا به أم لم نؤمن، اتفقنا على اسمه أم لم نتفق، اعترفنا بذلك أم لم نعترف..! وبناءً عليه، كلُّ عاقلٍ على هذه الأرض له دينٌ يدين به، وناموس مضطرب أو منتظم يعمل وفقه، ويشمل ذلك الملحدين والكفار قبل غيرهم من أهل الإيمان، إذ هم من أشد الناس تمسُّكاً بما يدينون به! وعلى هذه القاعدة بُني برج الإنسانية البديع: فن الحياة وفِقه التعامل الإسلامي: سورة الكافرين، وهي ما سنختم به هذا البحث ــ إن شاء الله ــ! * الإيمان: هو الاعتقاد والتصديق.. ويشمل ذلك الديانات والقضايا والأشخاص وما إلى ذلك. فأنت تؤمن أو تصدِّق فلاناً أو ديناً أو مبدأ أو مذهباً.. أو: لا تؤمن. المؤمن: هو المعتقِد المُصدِّق.. أما حقيقتنا الثابتة، حقيقة الإيمان الإسلامي الإنساني، فهي أنَّ كلَّ إنسانٍ مؤمنٌ بالله، خاضعٌ لأمره، وعى ذلك أم لم يعه، أقر بذلك أم لم يُقر؛ وهو أخ لنا في الإنسانية، وشريك لنا في الحياة، ومرجو الإيمان بالله الإيمان الصحيح التام، ومأمول الإحسان في الله..[2] * والكفر: ضد الإيمان، أي: التكذيب والإنكار.. والكافر: هو المُكذِّب بالشيء والمُنكِر له.. وفي الإسلام الحقيقي، إسلام الحرية والكرامة والحق والصدق والإحسان، الكافر هو المغشوّ على عينيه، أو المختوم على قلبه، غشاء وختم الكِبر والعناد، أو الجهل والتسرُّع[3]؛ وبناءً عليه، الكافرُ كافرٌ بلسانه مكابرٌ بأعماله، مؤمنٌ في ذاته، مستحِقٌّ للهداية، مرجوّ للتوبة.. وعلينا بذل كلّ ما أمكن من عملٍ صالح وخُلْق حَسَن من أجله![4] ورُبَّ قائل يقول: ماذا عن أئمة الكفر، الذين قررتْ بحقهم دياناتُهم أشد القرارات[5]؟ فنجيب: الشذوذ لا يُلغي القاعدة، والأصل في الدين: الإنسانية السمحة والدعوة إليها، وما دام الشخص حياً فمرجوة صحوته وتوبته[6]، وقبل كل ذلك وبعده: على الله أمره، ولسنا أوصياء عليه، ولا يُحاسَب إلا على إساءته وجرمه الإنسانيين الاجتماعيين. أما الدين[7] فيأتي بمعنى العبادة، مثل قوله تعالى: "مخلصين له الدين"[8]، أو: "فأقم وجهك للدين حنيفاً"[9]؛ ويأتي بمعنى الشريعة والملة، مثل قوله تعالى: "يا بنُيَّ إن اللهَ اصطفى لكم الدينَ"[10]، وقوله: "إن الدين عند الله الإسلام"[11]؛ ويأتي بمعنى الرابطة الجامعة لجماعة المؤمنين به، كقوله: "وإنْ استنصروكم في الدين فعليكم النصرُ إلا على قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ"[12].[13] والتديّن: هو التعبُّد؛ والعبادة تنتهي إلى نتيجتين: الأولى: الاتجاه إلى تربية الوجدان الديني وتنمية الوجدان الفطري الذي يجعل المؤمن بالإسلام[14] مؤتلفاً مع غيره، ليتكوَّن من هذا الائتلاف مجتمع إنساني متوادّ متحابّ. والثانية: أن غاية العبادة في الإسلام ليست مجرَّد التقوى السلبية، وإنما تتجه إلى النفع الإنساني العام، وإلى إيجاد مجتمع متحابّ غير متباغض ولا متنازع، متآزر متعاضد غير مشتت ولا مُمزَّق الأوصال.[15] وأما الإسلام فهو من السِّلم والسَّلام[16]، إذ يُسلِم المرءُ نفسَه إلى خالقه الحكيم اللطيف الخبير، ويعمل وفق ناموسه وفطرته: حباً وخيراً وإحساناً[17]، فيكون السِّلم والسلام الذاتي والخارجي[18]! وهذا هو جوهر جميع الأديان[19]؛ ولذلك، كل الأديان بحقيقتها إسلام، وما دين النبي محمد ــ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ــ إلا خاتم الأديان وجامعها..[20] أما شواهد الصدق والحق على جميل ما أتينا به، الجميل بذاته وللمتزيِّنين به، فمن كلام الحق والصدق وحده، وهو قول الله ــ تبارك وتعالى ــ: "وله أسلم مَن في السماوات والأرض".[21] وقوله: "ومَن يُسلم وجهَهُ إلى الله فقد استمسك بالعروة الوثقى".[22] وقوله: "بلى مَن أسلم وجهَه لله وهو محسنٌ فله أجره عند ربه".[23] وقوله: "ومَن أحسنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسنٌ".[24] وقوله: "ألم ترَ أن الله يُسبِّح له مَن في السماوات والأرض".[25] وقوله: "يُسبِّح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم"[26].[27] ولهذا قال نبي الإسلام، نبي الرحمة، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم: الإسلامُ أن تُسلم وجهكَ لله عزَّ وجلَّ.. الإسلامُ: حُسْنُ الخُلق.[28] "الإسلام يعلو ولا يُعلى".[29] وبهذا التمام والكمال كان قول الإمام علي بن أبي طالب ــ عليه السلام ــ: لا شرف أعلى من الإسلام.[30]
الإسلام بين الفطرة والشريعة والعرفان (مقامات المسلمين)
رأينا ــ فيما سبق ــ أن الدينَ فطرةٌ، وتحققنا "فطرةَ الإيمانِ"؛ ورأينا أيضاً أن الأديان بحقيقتها واحدة وإنْ تعددتْ صورُ شرائعِها ومسمَّياتها، وأنَّ الإسلامَ الحقَّ ــ الحنيفَ ــ يجمعها ويُجسِّدها، جمْع مضامين وجواهر أصيلة، لا جمْع صور وتفاصيل ومنحنيات. ووصلنا إلى غاية الخلْق وسِر الحياة، اللذَين هما عمارة الكون، أو: خلافة الإنسان الربانية على هذه الأرض، المحقِّقَيْن لمعنى: عبادة الله المثلى، والمتجسِّدين بحب الإنسان[31] الفطري الأصيل للخير والارتقاء.. لكنا لم نبحث كيف عاش الإنسان تلك الفطرة وذاك الترف والنعيم الإنساني في ظل الإسلام وبروحه.. وهذا ما سنتطرَّق إليه في هذا الفصل. * مملكة الحب والذوق والجمال (مملكة الخير والسعادة): الحسّ الكوني والإخاء الإنساني! (نظرةٌ في ما وراء عبادة الإنسان، وبعيداً عن التصنيف: ضال أو مهتدٍ، وإنما: إنسان جيّد أو غير جيّد، مخلص أو غير مخلص!) ونبدأ بالمحاكاة العقلية التالية[32]: ماذا يعني أنْ يعبدَ إنسانٌ ما دُبَّاً، أو: ثوراً، أو: كبشاً؟ إن الدُّبَّ، أو أي حيوانٍ آخَر بالغاً ما بلغ من القوة والجبروت، كان بالنسبة لحضارات الصيد طريدةً سهلة أو صعبة للإنسان؛ فالنياندرتالي (الإنسان القديم) الذي قيل عنه أنه عَبَدَ الدبَّ كان في الواقع صياداً للدب، والإنسان العاقل من أهل الباليوليت الأعلى الذي قيل أنه عَبَدَ الثورَ كان صياداً للثور، وهكذا إلى نهاية هذه السلسلة من العابدين والمعبودين المفترضين؛ فكيف يؤلِّه الإنسانُ طريدةً من طرائده ويتوجَّه إليها بالعبادة؟! (الحقيقة) إن الإنسان أحسَّ بحضورِ مجالٍ قدسيٍّ، بعالَمٍ ألوهيٍّ لا تحكمه شخصيةٌ معينةٌ[33]، بل تفيض منه قوةٌ شمولية تتخلل عالَم الناسوت.. والحيوان[34] (يصلح لذاك التمثيل والتجسيد إذ هو) بلا اسم ولا هوية ولا سيرة ذاتية[35].[36] وبناءً عليه، الدين ليس وهماً، والمؤمن ليس واهماً في إحساسه بوجودِ قوةٍ أعظم منه تضم الوجودَ إلى وحدةٍ متكاملة، لأن الخبرة الدينية قد ارتكزتْ عبر الأزمان على تجربةٍ حقيقية صلبة، وعلى شرطٍ مُعطى للوجود الإنساني.[37] إذن، استشعر الإنسانُ الحقائقَ الروحيةَ، أو الحضور الروحي، من حوله، وأحس بالحاجة الروحية الماسة إلى الدين والغذاء الروحي، وسعى للحصول عليهما! فنجح في محاولات، وأخفق في أخرى؛ وكان في فترات ما، ومراحل ما، مع الناموس الإلهي الحق، وكان في غيرها بعيداً عنه! وبين هذه الفطرة، الأصيلة السامية، وتعاطيه مع الشرائع المنزَّلة والموضوعة، عاش الإنسانُ الحياةَ الدينيةَ بين القناعة والتسليم والرضى وبين الحيرة والشك والتذمُّر، فكانت السعادة والشقاء، والرضى والسخط، بالوجه الحقيقي أو المقنَّع! ومع نور الإسلام، وبهداه، وبروح التبصُّر والتمعُّن، استُكشفتْ جواهرُ الشريعةِ الإسلاميةِ التي أقرَّت الصالحَ مما سلف، عقائد[38] وشرائع[39] ومعاملات[40]، وأتت بأسس الضروريات المفتقدَة والضروريات المحتمَلة على قاعدة: الحق ولا شيء سواه، فأتمَّتْ ما كان ناقصاً وأكملتْه، وبَلْوَرَتْ ما كان مموَّهاً وأظهرتْه، فقامت العدالةُ بقانونها ورجالها[41]، وبما يحفظها على مرّ الزمان والدهور، بأصولٍ ثابتةٍ لا خلاف حولها ولا لَبْس، وبمفاصل مرنة تصلح لصيرورة الكون التطورية. وعاش المنعَّمون بالإسلام ترفهم الروحي والأخلاقي بحياة "العرفان الحق"، محافظين على العبادات التي هي غذاء الجسد المعنوي وضرورته الغائية[42]، عابرين بعالَمهم المعرفي الكامل إلى مَشهد الصدق بحضرة الروح والجوارح معاً، حقاً في البداية، وحقاً في النهاية؛ ومع الحق أبداً.. فكان ما كان من قولٍ حقٍّ وفِعْلٍ حَقٍّ، باسم الشريعة حيناً، وباسم الطريقة حيناً آخراً، وباسم الحقيقة أحياناً أخرى.. مَرةً في صورة إسلام العصر: إسلام المظهر والجوهر وعلى حدود الشريعة والإيمان، ومرةً أخرى في صورة الزهد أو اسم التصوّف[43]، ومرةً أخيرة في صورة التمام أو اسم العرفان! وكُلُّهم من حيث النية والإخلاص مع الحق بالحق، كما كُلُّهم من حيث الغاية أو العمل مع الحق وللحق.. لكن منهم مَن كان بالغاً راشداً أصاب كبْد الحقيقة ولزم الجادة المثلى، ومنهم مَن كان غير ذلك! ولله درّ إمام المتقين ــ علي أمير المؤمنين (ع) ــ حين قال: ليس مَن طلب الحقَّ فأخطأه كمَن طلب الباطلَ فأدركه![44] المؤمنون الحق: "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه".[45] الذين يَلزَمون السُّبلَ الواضحة ويبتعدون عن الأمور المريبة.. أما مراتب الإسلام والإيمان[46] فيبيِّنها قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدِّقين والمتصدِّقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدَّ لهم مغفرة وأجراً عظيماً"[47].[48] وهي على التفصيل والترتيب: * مرتبة الإسلام: درجة الداخلين في السِّلم، المنقادين لحكم الله في القول والعمل[49]، وهم المسلمون إسلام العقل والقلب.[50] * مرتبة الإيمان: درجة الذين عاشوا الإيمان فكراً وروحاً وشعوراً وحركةً في مستوى المواقف والعلاقات.[51] * مرتبة الإحسان والتقوى، وفيها صفات ودرجات! 1 ــ صفة القنوت: صفة الذين يداومون على الأعمال الصالحات لا سيما الدعاء.[52] 2 ــ صفة الصدق: صفة الذين عاشوا الصدق كعنوان كبير من عناوين شخصيتهم، مع الله ومع الناس ومع النفس، في الفكرة والموقف والكلمة.[53] 3 ــ صفة الصبر: صفة الذين يبتسمون في قلب الألم ومواقع الاهتزاز، ويصمدون في مواقف التحدِّي، ويتمرَّدون أمام قسوة الطغيان، ويواجهون مشاكل الحياة ومصاعبها من خلال الثقة بالله والاعتماد عليه في ساعات الشدة[54]؛ صبراً على ما ابتلاهم الله.[55] 4 ــ صفة الخشوع: صفة الذين عرفوا الله في آفاق عظمته، وانفتحوا على حاجتهم إليه في مواضع نعمته، فعاشوا الخشوع في عقولهم، وامتدَّ معهم في قلوبهم، وتحوَّل إلى هزة روحية في مشاعرهم وفي حركات أجسادهم.[56] 5 ــ صفة التصدُّق: صفة الذين عاشوا العطاءَ كقيمةٍ روحية إنسانية في حركة الشخصية الإسلامية في داخلهم، وواجهوا المسألة المالية في ما يملكون من مال، على أساس مسؤوليتهم عنه، باعتبار أنه مال الله الذي جعله أمانة في أيديهم ليؤدّه إلى المحرومين من عباد الله المستضعفين، من موقع الواجب والإحسان المسؤول، لا من موقع الذات والإحسان المتفضّل، وبهذا كانت الصدقة عملاً من أعمال العبادة والطاعة المالية لله تعالى، في سياق الخط الإسلامي العام القائم على التكافل والتآزر والتآخي الإنساني في الله ولله.[57] 6 ــ صفة الصوم[58]: صفة المنشغلين لله وبالله، المنقطعين إليه بما كلّفهم به وأنابهم إليه. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ــ عليه السلام ــ: {"صوم الجسد": الإمساك عن الأغذية بإرادةٍ واختيارٍ، خوفاً من العقاب، ورغبة في الثواب والأجر؛ و"صوم النفس": إمساك (الحواس) الخمس عن سائر المآثم، وخلو القلب من جميع أسباب الشر، وصوم النفس عن لذَّات الدنيا أنفعُ صيامٍ؛ و"صيام القلب" عن الفكر في الآثام أفضل من صيام المرء عن الطعام.}[59] ولهذا قيل: للصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.[60] 7 ــ صفة الحِفظ للفرْج: صفة مَن وقف لله بديمومة حياته العظمى وغريزته الكبرى وسر وجود جنسه واستمراره.. وهي صفة الناذرين حياتهم ووجودهم وبقاءهم وديمومتهم لله، فلا يعرفون إلا ما أحلَّ الله، ولا يأتون الحلال إلا بما يُرضي الله ويحقق مشيئته ويوافق حكمته.. 8 ــ صفة ذِكْرِ الله: صفة الحضرة بين يدي الله! صفة مَن يكون ذِكرُهم ذِكْرَ حضورٍ قلبي ولساني وعملي أمام الله، في الانفتاح عليه بالنية المفتوحة على كلِّ مواقع الخير في الحياة، وبالكلمة الممجِّدة له، المسبِّحة بحمده في نِعَمِه وآلائه، والموحِّدة له في ألوهيته وطاعته.[61]
الإسلام: دين وحياة
الدينُ ــ في الحقيقة ــ ليس مجرَّدَ تنظيمٍ للحياة الإنسانية، وقانونٍ لها، بل هو فيض الروح الإنسانية وأساس حياة الإنسان الفكرية والوجدانية والأخلاقية.[62] أما "الإسلام" فليس مجرَّدَ دينٍ وإنما حياة ووجود، فطري وطبيعي، أصيل ومتجذِّر. وعندما يُقال: "دين الإسلام"، فإنه يُعنى بذلك: "الشريعة الإسلامية" لا الإسلام كَكُلٍّ، إذ يتضمَّن الإسلامُ الشريعةَ وغير الشريعة؛ فكما قلنا من قبل، وأوضحنا: وُجِدَ الإسلامُ منذ خَلَقَ اللهُ الخلْق، أي مع وجودِ كُلِّ موجودٍ، إذ هو الحياة بناموسها والوجودُ بطبيعته! فلله أسلم مَن في السماوات والأرض، وما فيهما؛ وله سَجَدَ وسَبَّحَ سائرُ الخلْق والموجودات![63] وفي الإسلام الشريف ــ الحق ــ، الرسالة السماوية الجامعة الخاتَمة، فسحةٌ لسائر الخلْق والموجودات، بالحياة والوجود الحُرَّيْنِ الكريمين، وفق السنن الكونية الكفيلة بالحفاظ على الأحياء بخصوصياتها، والموجودات بخصائصها؛ فلا يحقُّ لأحد التدخُّلَ بحياة آخَر أو وجوده ما لم يكن ذاك التدخُّل برضى الطرف المعني، وبإرادته الحرّة الصافية، وبما يعود بالخير والنفع عليه. وكما أن على الإنسان الحفاظ على أمانته الكبرى: شخصه وشخصيته، من الناحية الروحية والفكرية والنفسية والجسدية، عليه أيضاً الحفاظ على أمانته الأُخرى: الكون بما فيه، بدءاً ممن يؤول إليه من النسل والحرْث، وانتهاءً بآخِر ما يمكن له التأثير الإيجابي فيه، حفاظاً، أو ترميماً وإصلاحاً! فقد حدَّد الإسلامُ العلاقةَ الأساس في هذا الكون، والتي هي علاقة الإنسان مع نفسه وخالقه، التي إنْ صلحتْ صلح معها حالُه، وصارتْ علاقةُ الإنسانِ بأخيه الإنسان قويمة وجيّدة، وبالتالي أصحبتْ علاقته بما حوله من أحياء وجمادات قويمة ومستقيمة.[64] قال تعالى: "قد أفلح مَن تزكَّى".[65] وقال: "ومَن تزكى فإنما يتزكَّى لنفسه وإلى الله المصير".[66] أما حقيقة التزكية، وكيفيّتها، فيبيّنها قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: "ونفسٍ وما سوَّاها، فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح مَن زكَّاها، وقد خاب مَن دسَّاها".[67] ومضمون القول: قَسَمٌ بعزةِ خالق النفس البشرية وموجِدها، الذي ألهمها ــ بهداية القلب ــ سبيلي الفجور والتقوى، أو طريقي الخير والشر كما قال: "وهديناه النجدين"[68]، إلهاماً يحقُّ به العدل الإلهي: "إنا هديناه السبيلَ إما شاكراً أو كفوراً"[69]، والذي يترتَّب على أساسه المصيرُ: "شقي أو سعيد"[70]! وهذا من جانب التزكية الشخصية والتربية والتنشئة الفردية[71]، أما من حيث المقابل الفكري لذاك الجانب النفسي فقوامُه محورُ ناموسِ الوجودِ العاقلِ: الحرية الطبيعية السليمة لكل كائن عاقل، والتعايش الودي التكاملي في المجتمع الواحد والمجتمعات المتعددة كما الحياة في الشخص الواحد والأسرة الواحدة.. قال تعالى: "قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد..[72] لكم دينكم وليَ دينِ". وفي هذا القول الشريف اعترافٌ بوجودٍ حُرٍّ للآخَر، وبقبولٍ له، وبتعايشٍ سلميٍّ إنساني لا يطغى فيه طرفٌ على آخَر؛ ولا أبدع من هذا النظام، ولا أجمل، ولا أكمل..!
خاتمة
شعرتُ بما يشعر به سائر المخلصين من أبناء هذا الجنس المكرَّم، من حبٍّ للحياة الكريمة القويمة وخوف من فقدان بعض عناصرها، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى فقدانها بكاملها! ورأيتُ ما يُسمَّى "صراع الحضارات"، أو: "صراع الثقافات"، أو: "صراع المصالح"؛ وشهدتُ مبدأ الانفتاح والتفهّم والتقريب ومبدأ الانغلاق والرفض والتباين؛ وتابعتُ ما يُسمَّى "حوار الأديان"، أو "حوار المذاهب".. وما إلى ذلك! فكنتُ، كما كان كثيرون، أتمزّق من جهة وأتماسك من أخرى! أتألم، لكن لا يقعدني ألمي عن أداء رسالتي، كما لا يشغلني قريب عن بعيد، ولا بعيد عن قريب! أَزِيْنُ الأمورَ بموازينها. فمن جهة، أرى الحياد مرضاً ونفاقاً، إذ أشعر بشعور الانتماء الحقيقي الصافي الراسخ لعروبتي وإسلامي ووطني وأهلي وناسي.. ومن جهة أخرى، أرى الفرز الديني، والتكتُّل الطبقي والفئوي، والاصطفاف التفريقي للمجتمع والوطن والأمة، انحرافاً عن الخط الإنساني القويم، وخللاً وعيباً ونقصاً في الأخلاق الدينية والإنسانية! أُميّزُ بين العصبة والعصبية، وأُنادي بخيرِ عُصبةٍ: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.. وعلى ذلك، كتبتُ واجتهدتُ في كل ميدان رأيتُ فيه حاجة وإمكانية، وبلغةٍ وأسلوب نافعَيْن مؤثِّرَين، سواء أحببتُ ذاك الميدان أو كرهتُه، استسغتُ تلك اللغة أم مججتُها. وما من همٍّ أصابني، ولا خوفٍ داخلني، من نعتي بأي نعت لا يمت لحقيقتي أو طبيعتي بصلة؛ إذ كانت رسالتي وحبي لوطني وأهلي وناسي أكبر من الجروح والآلام. ولذلك لم أُضيّع لحظةً من عمري أُبرِّئ فيها نفسي لنفسي، أو أُصحح بها رأياً أو تصوّراً لأحدٍ أو جهةٍ عني! فمَن رآني رجل دينٍ فهو لا يعرفني، ومَن رآني مؤمناً كان قريباً مني. ومن رآني مجرَّد باحث، أو مرشد، أو مستشار، جهلني، ومَن قدَّر إمكانياتي عرفني... وفي خضم ما أنا فيه، وعلى الدوام، كان الإسلام ــ ديني وديدني ــ يناديني! الإسلام الذي يُساء إليه! فنهضتُ هذه النهضة في هذا الوقت، وبهذه الصورة، لتشرق شمس الإسلام التي لا تُفرّق بين أحد، بل تنشر الحب والدفء والخير بين الجميع. فأدلوتُ بدلوي المتواضع بهذه العجالة الميسَّرة، بانياً برجي البياني على ثلاث ركائز، هي: 1- الإسلام بين الصورة والمعنى. 2- الإسلام بين الفطرة والشريعة والعرفان. 3- الإسلام: دين وحياة. فما وُفِّقتُ به فبفضل اللهِ ومن نور الإسلام وقُدْسِ تراب بلدي الحبيب وهوائه، وما أخفقتُ به فلعجزي وضعفي وقلة حيلتي ومادتي.. وبسم الله ابتدأتُ وبحمده أختم؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. سام علي www.sam-ali.net
الحواشي والمراجع:
[1] ظهرتْ مشاكلُ الدينِ الإسلامي، أو: إشكالياته، مع الخلل الذي بدا في صورة تديّن المسلمين أنفسهم، أو مع صورة طرح المسلمين لدينهم أمام الآخرين وعرْضهم له! ومع ظهور تلك الإشكاليات ظهر المكرُ والخداع، والتستُّر والنفاق، إذ دخل في الدين مَن لم يؤمن به*، خوفاً أو طمعاً، فكانت مصيبة الأديان: الإساءة إليها من قِبل المنتسبين إليها، لجهلٍ أو بمكرٍ.. وظهرتْ بالتالي مشكلة: الإسلام والتأسلم**، طامة المسلمين الكبرى! * قال تعالى: "قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم". [سورة الحجرات، الآية: 14] وقال في هذا السياق والمعنى على أتم الوضوح والجلاء: "من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم". [سورة المائدة، الآية: 41] ** "تأسلم" على وزن: تأفعل، وهو وزن نادر شاذ عن القياس لأنه يضيف تاء للمتعدي بهمزة، والتاء لا تدخل إلا على المتعدي بتضعيف العين (عين: فــعــل)، مثل: وَصَلَ (فَعَلَ) و: توصَّلَ (تفعَّل)! ويراد بهذا الفعل: الدخول في الإسلام لمصلحةٍ أو لاضطرارٍ لا عن رضى وقناعة.. [2]قال تعالى: "وله أسلم مَن في السماوات والأرض". [سورة آل عمران، الآية: 83. (مع الانتباه إلى كلمة: مَن، التي تُسْتَعْمَلُ للعاقل!)] وقال: "ألم ترَ أن الله يُسبِّح له مَن في السماوات والأرض". [سورة النور، الآية: 41. (مع الانتباه إلى كلمة: مَن، التي تُسْتَعْمَلُ للعاقل!)] [3]قال أينشتاين: "الإيمان هو أقوى نتائج البحوث العلمية وأنبلها، وأن العِلم بلا إيمان يمشي مشية الأعرج، وأن الإيمان بلا عِلم يتلمّس تلمُّس الأعمى". وقال داروين: "إنني متردد في عقيدتي الدينية، لكن لم أكن منكراً لوجود الله". وقال: "إن الأنواع ترجع في أصولها إلى بضعة أنواع تفرَّعت من جرثومة الحياة التي خلقها الله". وقال نيوتن: "لا تشكُّوا في الخالق، فإنه لا يُعقَل أن تكون الضرورة وحدها هي قاعدة الوجود، لأنها عمياء، متجانسة في كل مكان وزمان، ولا يُتصوَّر أن يصدر عنها هذا التنوّع من الكائنات". وقال أيضاً: "ما من شك أن خالِق العالَم محيط بأسرار عالَم الميكانيك إحاطة تامة". وقال فولتير قُبيل موته بعد رفض غفران راهب الكنيسة: "أموت على عبادة الله ومحبة أصدقائي وكراهية أعدائي، ومقتي للخرافات والأساطير الدخيلة على الدين". وقال اسبينوزا: "إن إرادة الله وقوانين الطبيعة اسمان لحقيقة واحدة، والأحداث في العالَم هي نتيجة آلية لهذه القوانين، وليست نزوةَ حاكمٍ مطلقٍ يجلس في النجوم، وهذه الآلية تشمل الله والعقل". [البحث عن الحقيقة الكبرى، م. عصام قصاب، دار الفكر، ص91+117+120+121] وقد حقَّ قولُ الحقَّ ــ تبارك وتعالى ــ: "وتلك الأمثال نضرِبها للناس وما يعقلُها إلا العالِمون". [سورة العنكبوت، الآية: 43] وعلى هذا الأصل العِلمي المنطقي أسلم العالِمُ الفرنسي الشهير، الطبيب، "موريس بوكاي" بشهادته العلمية (قبل النطق بشهادة التوحيد اللفظية): "إن الحقائق العلمية في القرآن الكريم لا يمكن إلا أن تكون وحياً من الله تعالى". [بناء الكون ومصير الإنسان، هشام طالب، دار المعرفة ــ بيروت، ط1، ص68. انظر كتاب بوكاي: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعِلم ــ دراسة الكتب السماوية في ضوء المعارف الحديثة. أو محاضرته البديعة في أكاديمية الطب الفرنسي بتاريخ 9/11/1976 والتي كان عنوانها: "المعطيات الفيزيولوجية والإمبربيولوجية في القرآن".] [4]قال تعالى: "لكلِّ أمةٍ جعلنا مَنسَكاً هم ناسكوه فلا يُنازِعُنَّك في الأمر وادعُ إلى ربِّك إنك لَعلى هدىً مستقيمٍ". [سورة الحج، الآية: 67. (والمنسك: الشريعة والمنهاج)] وقال: "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن". [سورة النحل، الآية: 125] [5]قال الفيلسوف الروحي محمد إقبال: فالنار في نظر القرآن هي "نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة". إنها إدراك أليم لإخفاق الإنسان بوصفه إنساناً. أما الجنة فهي سعادة الفوز على قوى الانحلال. وليس في الإسلام لعنة أبدية، ولفظ الأبدية الذي جاء في بعض الآيات وصفاً للنار يفسِّره القرآن نفسه بأنه حقبة من الزمن "لابثين فيها أحقاباً"، وعلى هذا، فالنار ــ كما يصوِّرها القرآنُ ــ ليستْ هاويةً من عذابٍ مقيمٍ بسلطةِ إلهٍ منتقمٍ، بل هي تجربة للتقويم قد تجعل النفس القاسية المتحجِّرة تحس مرة أخرى بنفحاتٍ حيَّةٍ من رضوان الله. (انتهى) [تجديد التفكير الديني، د. محمد إقبال، ص141. انظر: قصة الإنسان : أصله ــ بنيته ــ دوره / رسالة أُعدِّت لنيل شهادة دكتور في الطب MD، الطبيب البروفيسور: عبد اللطيف حموش، دار الفكر، ط1997، ص288] [6] قال تعالى في كتابه العزيز: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً عسى أنْ يُكفِّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار". [سورة التحريم، الآية: 8] وقال: "إنْ تجتنبوا كبائر ما تُنهَون عنه نكفِّر عنكم سيئاتكم". [سورة النساء، الآية: 31] [7] كلمة الدين في ضمير الإنسان ذات دلالة واحدة، وهي: الارتباط والعلاقة! فـ: Religin مشتقة من كلمة Religio اللاتينية، التي تعني "إعادة الربط"، وهو الهدف الأساسي للدين! [كتاب: لماذا الدين ضرورة حتمية ــ مصير الروح الإنسانية في عصر الإلحاد، البرفيسور هوستن سميث أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية (مؤلف كتاب "أديان العالم")، ترجمة سعد رستم، دار الجسور الثقافية، ط1، ص321] قال العالِم الرياضي، والفيلسوف، الإنكليزي، ألفرد وايتهد: "إن الدين هو نظام، أو مجموعة من الحقائق العامة، لها تأثيرٌ في تكييف الخلْق، إذا صدق الاعتقادُ بها وفُهِمتْ فهماً واضحاً قوياً". [تجديد التفكير الديني، د. محمد إقبال، ص6. انظر: قصة الإنسان : أصله ــ بنيته ــ دوره، عبد اللطيف حموش، ص35] [8]سورة البينة، الآية: 5. [9]سورة الروم، الآية: 30. [10]سورة البقرة، الآية: 132. [11]سورة آل عمران، الآية: 19. [12]سورة الأنفال، الآية: 72. [13]موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، أ.د. وهبة الزحيلي، دار المكتبي، ط1، مج2، ص319-320. [14] اختُصَّ الإسلام الشريف باثني عشر أصلاً غالَبَ بها جميعَ العقائدِ التي كانت منتشرة على عهده فغلبها، وحلَّ من النفوس والعقول محلَّها، ولا يزال يحلّ بما بقي منها في أعماق الصدور، ويختلط بهوى القلوب؛ وهي: 1- التخليص بين الإنسان وخالقه (بمعنى: إبطال الواسطة بين الإنسان وخالقه). قال تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي". وقال: "وهو أقرب إليهم من حبل الوريد". 2- تقرير المساواة العامة. قال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم". 3- تقرير مبدأ الشورى في الحكم. قال تعالى: "وأمرهم شورى بينهم". وقال: "وشاورهم في الأمر". 4- تعليق السعادة والشقاوة في الحياة الأخرى على الأعمال والصفات الذاتية، لا على الشفاعات والقربات. 5- الاعتراف بحقوق العقل والعِلم. 6- المؤاخاة بين الدين والمدنية. 7- لفت الإنسان لنظام الطبيعة وتوجيه نظره نحو أسرارها الخفية. (سنن الوجود التي لا تبديل فيها..) 8- الاعتراف بحقوق ميول الإنسان وعواطفه. قال تعالى: "فكلوا واشربوا ولا تسرفوا"..... 9- توحيد العالَم في دائرة المعاملات. 10- الاعتراف بناموس الترقي. 11- تقرير أنَّ الدين شُرِعَ لخير الناس ومصلحتهم، لا لتسخيرهم وإذلالهم. 12- حرية البحث والنظر. [دائرة معارف القرن العشرين، محمد فريد وجدي، دار المعرفة ــ بيروت، ط3، مج5، مادة: سلم، ص249 وما بعد] [15]موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، أ.د. وهبة الزحيلي، دار المكتبي، ط1، مج1، ص47. [16] قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِّلم كافةً". [سورة البقرة، الآية: 208] والسِّلم والإسلام والتسليم واحدة، و"كافة": كلمة تأكيد بمعنى: جميعاً. [الميزان في تفسير القرآن، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج2، ج2، ص102. انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن: تفسير الطبري، الإمام محمد بن جرير الطبري، نسخة ضبطها وعلَّق عليها: محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، ط1، مج2، ج2، ص390 وما بعد. و: مجمع البيان في تفسير القرآن، أمين الإسلام: الفضل الحسن الطبرسي، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج2، ج2، ص58] [17]سُئلَ رسول الله ــ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ــ: أيُّ الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتُقرئ السلام على مَن عرفتَ وعلى مَن لم تعرف". [حديث صحيح] وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ــ عليه السلام ــ: رأس الإسلام الأمانة.. وقال (ع): مِلاك الإسلام صِدْق اللسان. [موسوعة أمير المؤمنين: مُسند الإمام علي بن أبي طالب، السيد علي عاشور، مج3، ص73؛ ح: 1355+1356] [ومِلاكُ الأمر: قوامُهُ. (المنجد في اللغة)] [18]قال تعالى: "ومَن أحسنُ قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين". [سورة فصلت، الآية: 33] [19]جوهرُ الأديانِ الاعتقادُ بإلهٍ واحدٍ، منزَّه، لا شريك له! جاء في التوراة: "فاعلمْ اليوم، وردِّدْ في قلبك: أنَّ الرَّبَ هو الإلهُ في السماء مِن فوق، وعلى الأرض من أسفل، ليس سواه. [سِفر التثنية، 39:4] ويقابله في القرآن الكريم: "وهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الحكيم العليم". [سورة الزخرف، الآية: 84] ومعنى القولين واحد، وهو: الإله إله، لا يحول ولا يزول؛ منزَّه عن الزمان والمكان.. ومبدأ الرسالات واحدٌ أيضاً، وهو دعوة الرسل إلى عبادة الإله العظيم موجِدها ومرسِلها.. قال المسيح ــ في الإنجيل ــ: "أيها الرَّبُّ، هذه هي الحياة الأبدية: أنْ يعرفوك أنتَ الإلهُ الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلتَه". [يوحنا، 17:3] وقال ــ في القرآن ــ: "ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم". [سورة المائدة، الآية: 117] وقال تعالى في بيان ذلك وتفصيله: "إنا أنزلنا التوراةَ فيها هدىً ونورٌ يحكُمُ بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا شهداء عليه". [سورة المائدة، الآية: 44] وقال: "شَرَعَ لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرَّقوا". [سورة الشورى، الآية: 13] أما من حيث السياق التاريخي وعلى مبدأ الدين المقارن فنورد الآتي: * جاء في الأسطورة البابلية حول بداية الخلق، أو ما يُعرف بـ: "سِفر البداية": "في تلك الأزمان الأولى لم يكن سوى المياه". وجاء في التوراة (سِفر التكوين): "في البدء خلق اللهُ السماواتِ والأرضَ، وكانت خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه". وجاء في القرآن الكريم (سورة هود): "وهو الذي خلق السماواتِ والأرضَ في ستة أيام وكان عرشه على الماء". * وجاء في الأسطورة البابلية حول مرحلة الطوفان العظيم، أو ما يُعرف بـ: "سِفر الطوفان": "قوِّض بيتك وابنِ سفينتك، اهجر ممتلكاتك، وانجُ بنفسك. اترك متاعك وانقذ حياتك. واحمل فيها بذرة كل ذي حياة". وجاء في التوراة (سفر التكوين): "وقال الرب لنوح: ادخل السفينة أنت وجميع أهلك فإني إياك رأيتُ باراً أمامي في هذا الجيل". وجاء في القرآن الكريم (سورة هود): "وقلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا مَن قد سبق عليه القول..". * وكذلك حال أمْر خلق الإنسان من طين، وغيره! [انظر للتأمُّل: مغامرة العقل الأولى، فراس السواح، دار علاء الدين، ط10 ـ عام1993، ص25+45+151] [قال المؤرِّخ، البحاثة، الدكتور أحمد داود: إن قصة هابيل وقابيل ولدي آدم، الراعي والفلاح، هي نفسها قصة عميش وعينتين العربية السومرية، التي انتصر فيها عينتين الفلاح أيضاً، وهي نفسها قصة لهار إله الماشية وإنشان إله الحبوب، وهي نفسها قصة تموز الراعي وإنكيدو الفلاح وتنافسهما على حب إنانا التي تحتار في الاختيار أولاً فيما بينهما، ثم تفضِّل إنكيدو وتقرر التضحية بتموز. إنها ــ باختصار ــ ترمز إلى التنافس بين مجتمعين: الرعوي والزراعي، تنتهي دائماً بانتصار الأكثر تقدُّماً في مضمار التطور الاجتماعي، وهو الفلاح. إنَّ نظرة واحدة على أسماء أبناء آدم وحواء، وأحفادهما، المقرونة باسم الإله إيل، الذي هو الله، تؤكد لنا انتشار عبادته في ديانة توحيدية منذ ذلك الزمن، امتدتْ من شواطئ الخليج العربي إلى ساحل البحر المتوسط في الغرب، وشرقي دلتا نهر النيل في أقصى الجنوب.. (سلسلة سوريا وعودة الزمن العربي، الكتاب الأول: تاريخ سوريا القديم ــ تصحيح وتحرير، الدكتور أحمد داود، دار المستقبل ــ دمشق، ط1/1986، ص132+141. <يرجى مراجعة المرجع المذكور ففيه زيادة في الفائدة>)] أقول: لا عجب في هكذا توافق، إذ: "وما يعلم جنود ربك إلا هو"، و: "لله جنودُ السماواتِ والأرض"، و: "رُسلاً قد قصصناهم عليك من قبلُ ورسلاً لم نقصصهم عليك"! وما فكرة الديانة المركزية الأولى القديمة المنبثق عنها سائر الديانات والأساطير الأخرى، أو الدائرة بفلكها، كما يقول الناكرون لحقيقة الوحي السماوي للديانات الكتابية، إلا فكرة صائبة ينقصها التتميم والتفصيل! [قال الباحث في الميثولوجيا وتاريخ الأديان، المفكِّر السوري الكبير، فراس السواح، في صدر كتابه الشهير المميَّز "لغز عشتار": إنَّ نظريتنا في هذا الكتاب تقوم على القول بنشوء ديانة مركزية واحدة، وأسطورة أولى، في العصر النيوليتي، كانت ذات تأثير مباشر على الأشكال الدينية والأسطورية لدى جميع الثقافات اللاحقة، بدءاً من المجتمع المديني الأول في وادي الرافدين وانتهاء بالديانات الكبرى للحضارات اللاحقة. (لغز عشتار، فراس السواح، دار علاء الدين، ط5 ـ عام1993، ص23-24. انظر للاستزادة والمقارنة: فجر الضمير، جيمس هنري بريستد، ترجمة: د. سليم حسن، الهيئة العامة المصرية للكتاب؛ لا سيما الفصل الثالث: إله الشمس وفجر المبادئ والأخلاق، ص48)] وفي الانتروبولوجيا الدينية: "إن الدين لا يجد حقيقته إلا في مُجْمل الأديان". [معجم الاثنولوجيا والانتربولوجيا (الاثنولوجيا: هو عِلم السلالات البشرية، و: الانتروبولوجيا هو عِلم دراسة الإنسان)، ترجمة وإشراف مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية للدراسات ــ بيروت، ط1، ص487] [20]الإسلام لغةً: الخضوع والانقياد.. وشرعاً على نوعين: أحدهما دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقَن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه قُصِدَ بقوله تعالى: "قالت الأعرابُ آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا". (سورة الحجرات، الآية: 14) والثاني فوق الإيمان (بمعنى مشتمل على الإيمان)، وهو أن يكون مع الاعترافِ اعتقادٌ بالقلب ووفاءٌ بالفِعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدَّر، كما ذُكر عن إبراهيم ــ عليه السلام ــ في قوله تعالى: "إذ قال له ربُّه أسلمْ قال أسلمتُ لِربِّ العالمين". (سورة البقرة، الآية: 131) [موسوعة الفِقه الإسلامي المعاصر، أ.د. وهبة الزحيلي، مج1، ص15] قال الأزهري: فإن هذا (قول الله: قالت الأعراب آمنا..) يحتاج الناسُ إلى تفهّمه، ليعلموا أين ينفصل المؤمن من المسلم، وأين يستويان؛ فالإسلام إظهار الخضوع والقبول لِما يأتي به سيدنا رسول الله ــ ص ــ.. فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقادٌ وتصديق بالقلب فذلك الإيمان الذي هذه صفته، فأما مَن أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلمٌ، وباطنه غير مُصدِّق، فذلك الذي يقول أسلمتُ، لأن الإيمان لا بد من أن يكون صاحبه صِدِّيقاً، لأن الإيمان تصديق، فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يُظهر، والمسلم التام الإسلام مُظهِرٌ للطاعة مُؤمنٌ بها، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوذاً غيرُ مؤمنٍ في الحقيقة، إلا أن حكمَه في الظاهر حُكم المُسلم.. [لسان العرب، ابن منظور، مادة: سلم. (انظر طبعة دار المعارف، مج3، ج23، ص2080)] وللبيان، والحق، نورد قول الله ــ تبارك وتعالى ــ: "ومن الأعراب مَن يؤمن بالله واليوم الآخِر ويتخذ ما يُنفِق قرباتٍ عند الله وصلواتِ الرسولِ ألا إنها قربةٌ لهم سيدخلهم اللهُ في رحمته إن الله غفور رحيم". [سورة التوبة، الآية: 99] [21]سورة آل عمران، الآية: 83. (مع مراعاة كلمة: مَن، التي تُسْتَعْمَلُ للعاقل!) [22]سورة لقمان، الآية: 22. [23]سورة البقرة، الآية: 112. [24]سورة النساء، الآية: 125. [25]سورة النور، الآية: 41. (مع مراعاة كلمة: مَن، التي تُسْتَعْمَلُ للعاقل!) [26]سورة الحشر، الآية: 24. [27]قال تعالى: "وإنْ من شيء إلا يُسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم". [سورة الإسراء، الآية: 44] قيل: إن التسبيح الحقيقي للأشياء كلها، في وجودها لله تعالى، يرجع إلى كوْن الله مصدر الحركة الجدلية الداخلية في الأشياء كلها. [الكتاب والقرآن ــ قراءة معاصرة، د.م محمد شحرور، دار الأهالي، ط6/1994، ص224] [28]ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، دار الحديث ــ دار إحياء التراث العربي، ط1، مج4، ص1791، ح: 8813+8815. [29]كنز العمال: 245. انظر: ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، مج4، ص1783، ح: 8761] [30] نهج البلاغة، قصار الحكم: 371. أقول: على هذه القاعدة الدينية الروحية العظمى، حقيقة الإسلام، أو البُعد الآخَر للإسلام، وبهذا المعنى الشريف الخطير، بنى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ــ عليه السلام ــ قلعته الإسلامية الإنسانية الكبرى، فقال عن الإيمان العميق بذاك الإسلام العظيم: "الإيمان أنْ تؤثرَ الصدقَ حيثُ يضرُّكَ على الكذبِ حيثُ ينفعُكَ". [نهج البلاغة، قصار الحكم: 458] وقال في تعريف العجز الإنساني والفقر الوجداني: "أعجزُ الناسِ مَن عَجَزَ عن اكتسابِ الإخوانِ، وأعجزُ منه مَن ضيَّع مَن ظَفِرَ به منهم". [نهج البلاغة، قصار الحكم: 12] [31]الإنسان الذي يولَد على الفطرة، أي الإنسان السليم القويم.. [32]لنفهم ونحترم ماضينا السحيق وسلفنا الأقدم، وبالتالي لننصف ونكون عادلين، ولنملك مقوِّمات الحاضر والمستقبل الحقيقية! [33]تجريداً لذاك العالَم.. [34]بحسب مفهوم الإنسان له آنذاك.. [35]أي: أنسب الموجودات لحمل هذه الصفات، لا الحيوان عبارة عن صورةٍ للإله كما يُفسِّر البعضُ، إذ لو كان معتقدُ إنسانِ ذاك الزمان والمكان تشخيصَ الآلهةِ بكائناتٍ حيةٍ لها صورةٌ لصوَّرها بصورة الإنسان الذي استطاع صيدها وقتلها والاستفادة منها! [36]دين الإنسان، فراس السواح، دار علاء الدين، ط2، ص133 وما بعد. [37]المصدر السابق، ص327. [38] أي معتقدات، والتي تتمحور حول عبادة الله بالذات والجوهر، أي: بالمعنى! وهي عبادةُ التوحيد للذات الإلهية المقدَّسة (الذات العليَّة). ومن أسمائها المعبودة منذ القِدم، وعلى اختلاف ألسنة الشعوب وثقافاتهم، الــ: "رحمن"، و: "حميد".. [انظر المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، منشورات الشريف الرضي، مج6، ص37+320] قال د. أحمد داود: لقد أطلق عربُ وادي النيل على الإله الواحد اسم "من"، أو: "معن"، أي: "معنى" إذ كانت تُكتَب الكلمات بدون صوتيات. وقد قرأها الدارسون مانا، مينا، مون، مونا، آمون. والكلمة في لغة "جامد" المندائية العربية القديمة التي تكلَّم بها النبي إدريس ــ ع ــ والتي هي إحدى لهجات العربية السريانية القديمة هي "مانا" وتعني "المعنى". وقد انتقلت الكلمة عبر اليونان وإيطاليا إلى اللغات الأوروبية الحديثة فصارت بالإنكليزية mean = يعني، و: meaning = معنى.. [سلسلة سورية وعودة الزمن العربي، د. أحمد داوود، (تاريخ سوريا الحضاري القديم)، الكتاب الثالث: المركز، دار المستقبل، ط1، ص153. يرجى مراجعة الفصل كاملاً ففيه من المعلومات الفريدة ما يستحق النظر والتأمل] وسبحان الله، الحق، العليم، الهادي، ذي الفضل.. القائل في كتابه العزيز: "قل ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، أيَّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى". [سورة الإسراء، الآية: 110] تسبيحة حمد وشكر على نعمة الإسلام التي لا تفوقها نعمة! الإسلام الحق، الواضح، الذي لا انحراف فيه ولا زيغ ولا باطل؛ دين الله الخاتم الكامل.. [39] بمعنى: شريعة تعبُّد.. [تأمَّلْ: مركزية الصلاة في جميع الأديان السماوية والوضعية، والتشابه الكبير بينها لا سيما بالمضامين والأبعاد؛، فزرادشت ــ مثلاً ــ أقرَّ وجوب الصلاة خمس مرات في اليوم بعد التوضوء بالماء، فجراً وظهراً وعصراً ومغرباً وليلاً، وهو ما يشابه إلى حدِّ بعيد ما تقرر في خاتم الأديان! ولا غرابة في ذلك إذ ما توصَّل إليه زرادشت هو مُحصَّلٌ من محصَّلات آثار النبوة وناتج طبيعي لِما استودعه الله قلوب الأصفياء وضمائرهم من بصيرة وذوق. (انظر: الرحمن والشيطان، فراس السواح، دار علاء الدين، ط3/2004، ص92)] وبمعنى: شريعة قوانين.. (انظر: العين بالعين والسن وبالسن، من شريعة حمورابي مروراً بالشريعة الموسوية وانتهاءً بالشريعة المحمدية الغراء). [40]على قاعدة: الإحسان والعمل الصالح.. [41] خير مثال ونموذج لما أوردناه قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجل مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم "كاتب بالعدل"، ولا يأبَ كاتبٌ أن يكتب كما علّمه اللهُ. فليكتب وليُملِلِ الذي عليه الحقُّ وليتقِّ اللهَ ربَّه ولا يبخس منه شيئاً..واستشهدوا شهيدين.. ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله، وأقوم شهادة، وأدنى أن ترتابوا، إلا أنْ تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جُناحٌ ألا تكتبوها، وأَشهِدوا إذا تبايعتم، ولا يُضارَّ كاتبٌ ولا شهيدٌ، وإنْ تفعلوا فإنه فسوق بكم، واتقوا الله، ويُعلِّمكمُ اللهُ، واللهُ بكلِّ شيءٍ عليم.} [سورة البقرة، الآية: 282] [42] كما يقال: الصوم زكاة البدن! [43]التصوف (بالحقيقة) هو: نزاهةُ طبْعٍ كامنةٌ في الإنسان، وحُسْنُ خُلقٍ مشتمل على ظاهره. وقيل: التصوف عبارة عن تجريد القلب لله، واستحقار ما سوى الله. [دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج11، ص325] وقد ابتُدِع في التصوف، أو استعمل الاسم (الصوفي) في مواضع ومجالات وصور وممارسات غير حميدة، أو: غريبة ومبتدَعة.. لذا جرى على لسان كثير من العلماء ذمه وأهله! قال الإمام أبو القاسم القشيري في وصف حال التصوف التي آلت إليها بعد غياب الشيوخ الثقات: مضى الشيوخُ الذين كان بهم اهتداء، وقلَّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع وقوي رباطه، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدُّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام، وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادت، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميادين الغفلات وركنوا إلى اتباع الشهوات.. ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا من رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال.. [سلسلة من ذخائر العرب 75: الرسالة القشيرية، الإمام عبد الكريم القشيري، طبعة دار المعارف، ج1، تحقيق الإمام الدكتور عبد الحليم محمود والدكتور محمود بن الشريف، ص16] وقد أخبر رسول الله (ص) عن هذا "الأمر الواقع" بوصيته للصحابي الجليل أبي ذر (رض): "يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، ويرون أن لهم الفضل بذلك على غيرهم، أولئك يلعنهم ملائكة السماوات والأرض"! [دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، مج11، ص327] وفي هذا السياق، ومن أجل حفظ الأمة من زخرف أولئك القوم وضلال دعوتهم، قال حفيد رسول الله ــ ص ــ الإمام الرضا (ع): مَن ذُكِرَ عنده الصوفية ولم ينكرها بلسانه وقلبه فليس منا، ومَن أنكرهم فكأنما جاهد الكفار بين يدي رسول الله ــ ص ــ. [المرجع السابق: دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الأعلمي الحائري، مج11، ص327] [يرجى مراجعة بحث: العبد الصالح الخضر] [44] نهج البلاغة، الخطبة: 61. [45] سورة الزمر، الآية: 18. [46] اتّفق المسلمون على تقسيم مراتب الإيمان والإسلام والعِلم والمعرفة ثلاثة أقسام أو مستويات. 1- الإسلام ــــــــــــــــــ الشريعة ـــ المـــــــــعــــــــرفـــــــــة ــــ عِلم اليقين. 2- الإيمان ـــــــــــــــــــ الطـريقة ـــ مـــعـــرفـــة المــعـرفــة ــــ عين اليقين. 3- الإحسان (التقوى) ــ الحقيقة ــــ معرفة عرفان المعرفة ـــ حق اليقين. وهاكم بعض أهم تعريفات ومعاني ما ذُكِرَ: * المعرفة: - العِلم الذي يقترن به حبُّ المعلوم، كما في: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعروف ما تحبُّه القلوبُ مع العِلم، والمُنكَر ما تكرهه وتنفر عنه عند العِلم به. ولهذا يُسمَّى مَن كان فيه ــ مع عِلمه بالله ــ حُبُّ الله وإنابةٌ إليه عارفاً، بخلاف العالِم الخالي من حُبِّ القلب وتألّهه، فإنهم لا يسمّونه عارفاً. [درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج3، ص137. (انظر موسوعة مصطلحات ابن تيمية، د. رفيق العجم، مكتبة لبنان ـ ناشرون، ط1، ص478)] - وقد يراد بلفظ "المعرفة": العِلم الذي يكون معلومُه معيَّناً خاصاً، وبـ: "العِلم الذي هو قسيم المعرفة": ما يكون المعلوم به كلياً عاماً. وقد يراد بلفظ "المعرفة": ما يكون معلومه الشيء بعينه، وإنْ كان لفظ العِلم يتناول النوعين في الأصل. [درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج3، ص138. (انظر موسوعة مصطلحات ابن تيمية، د. رفيق العجم، ص478)] - أما معرفة الله تعالى، فهي على نوعين: أحدهما: عِلم، والآخَر: حال. [كشف المحجوب، أبو الحسن: علي بن عثمان الهجويري، ج2، ص509. (انظر: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، د. رفيق العجم، مكتبة لبنان ـ ناشرون، ط1، ص911)] * أما الإحسان: فهو العمل الصالح، وهو فِعل الحسنات. [العبودية، ابن تيمية، ص75. (انظر موسوعة مصطلحات ابن تيمية، د. رفيق العجم، ص14)] * و: يَقِنَ الأمرُ: وَضُحَ وثَبُتَ، فهو يقين. استيقن فلانٌ الأمرَ ويقنه: عَلِمَه عِلماً لا شكَّ فيه. واليقين من صفة العِلم فوق المعرفة والدراية، يقال: عِلمُ يقينٍ ولا يُقال معرفةُ يقينٍ! [القطوف من لغة القرآن، محمد باسم ميقاتي و: محمد زهري معصراني و: عبد الله أحمد الدندشي، مكتبة لبنان ــ ناشرون، ط1، مادة: يقن، ص1192] واليقين أفضل من العِلم، لأنه أدْعى إلى العمل، وما كان أدْعى إلى العمل كان أدْعى إلى العبودية، وما كان أدْعى إلى العبودية كان أدْعى إلى القيام بحقِّ الربوبية. [عوارف المعارف، أبو حفص: عمر السهروردي، ج1، ص190. (انظر: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، د. رفيق العجم، ص1064)] واليقين على ثلاثة أقسام: يقين عام، وهو: عين اليقين؛ ويقين الخاص، وهو: عِلم اليقين؛ ويقين الأخص، وهو حق اليقين. [جامع الأصول في الأولياء وأنواعهم وكلمات الصوفية، أحمد الكمشخانوي النقشبندي، ص64. (انظر: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، د. رفيق العجم، ص1064)] ولليقين: اسم ورسم، وعِلم، وعين، وحقٌّ؛ فالاسم والرسم للعوام، وعِلم اليقين للأولياء، وعين اليقين لخواص الأولياء، وحقّ اليقين للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحقيقة حق اليقين اختص بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. [عوارف المعارف، أبو حفص: عمر السهروردي، ج2، ص299. (انظر: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، د. رفيق العجم، ص1064)] [47] سورة الأحزاب، الآية: 35. [48] قال السيد محمد حسين فضل الله: نزلتْ هذه الآية تأكيداً للمساواة الإسلامية بين المرأة والرجل في دائرة التقييم الإلهي للعمل الملتزم بالخط المستقيم، وأنهما سواء في حصولهما على ثواب التزامهما، من الله، تماماً كمساواتهما في عقاب الله لهما على أعمالهما السيئة، لأن مسألة العمل في قيمته لا تتصل بالشخص في ذكوريته وأنوثيته، بل بالعناصر الموضوعية في شروط العمل وأجزائه، وفي النتائج الإيجابية أو السلبية في مواقعه. وفي ضوء ذلك، قد تعلو درجة المرأة عند الله عندما ترتفع في إيمانها وعملها عنده. [تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، دار الملاك، ط1، مج18، ص307] [49] تفسير كنز الدقائق، الميرزا محمد المشهدي، تحقيق حسين دركاهي، دار الغدير ـ قم، ط2003، مج10، ص389. [50] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج18، ص307. [51] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج18، ص308. [52] مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، مج8، ج22، ص159. [53] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج18، ص308. [54] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج18، ص308. [55] مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، مج8، ج22، ص159. [56] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج18، ص308. [57] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج18، ص308. [58] ميَّز بعضُ الباحثين بين الصوم والصيام، على خلاف جمهور علماء اللغة، مستندين إلى بعض آيات الذكر الحكيم لتدعيم رأيهم ومذهبهم، فرأوا أن كلمة "الصوم" تأتي بمعنى التطوع والنفل، وهو خاص أو مُخَصَّص، واستشهدوا على ذلك بقول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: "فقولي إني نذرتُ للرحمن صوماً فلن أُكلِّم اليومَ إنسياً". ورأوا أن كلمة "الصيام" تفيد الوجوب والفرض، واستشهدوا بآيات أخرى، عديدة، ترد فيها كلمة "الصيام" على ذاك المحمل، مثل قوله: "كُتِبَ عليكم الصيامُ"! مع العِلم أن المصدر لفعل "صام" هو: "الصوم"، ويؤيده الحديث القدسي الشهير: "كل عمْل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي". (انظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة: صوم. أو: طبعة دار المعارف، مج4، ص2529) [59] دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ: محمد حسين الأعلمي الحائري، مج11، ص328. [60] صوم العموم هو كف الفرج والبطن عن الشهوة، وصوم الخصوص هو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص صون القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله بالكلية. [المرجع السابق: دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ: محمد حسين الأعلمي الحائري، مج11، ص328] [61] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج18، ص309. [62]خَلَقَ اللهُ الإنسانَ خليفةً على الأرض، مُكرَّماً، مهيئاً للرسالة العظيمة الكريمة التي خلقَه من أجلها! خُلِقَ من أب واحد وأم واحدة، كرمزٍ ودلالة، ليكون العدل والمساواة في الخلقة والوجود؛ وبألوانٍ ومناطقَ مختلفةٍ ليكون التنوّع والغنى، ولتكتمل دائرة الوجود البديعة الفريدة.. قال تعالى: "يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم". [سورة الحجرات، الآية: 13] [يرجى مراجعة بحث: سِرّ العبادة وغاية الخلق] وجَعَلَ اللهُ ناموسَ الحسابِ الجزاءَ العادلَ على الخير والشر، مع الإكرام والزيادة على عمل الخير، والمثل أو المغفرة على عمل الشر. قال تعالى: "إني لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى". [سورة آل عمران، الآية: 195] وقال: "مَن جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يُجزى إلا مثلها وهم لا يُظلَمون". [سورة الأنعام، الآية: 160] فقرر: أن حقيقة العمل ــ من حيث ماهيته ــ واحدة، فالخير خير والشر شر، بغضِّ النظر عن لون فاعله وجنسه، أو معتقده، أو خلفيَّته الذهنية والفكرية، إذ لا يُناط العمل بغير النية! سُئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أنسلِّم على مذنب هذه الأمة؟ فقال: "يراه اللهُ تعالى للتوحيد أهلاً، ولا نراه للسلام عليه أهلاً"! [موسوعة أمير المؤمنين: مُسند الإمام علي بن أبي طالب، السيد علي عاشور، دار التعارف للمطبوعات ــ دار نظير عبود، ط1، مج10، ص62؛ ح: 7862] وقال عليه السلام: "إن الإيمان يبدو لُمْظةً بيضاء في القلب، فكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ذلك البياض، فإذا استكمل الإيمانُ ابيضَّ القلبُ كلّه؛ وإن النفاقَ لُمْظةً سوداء في القلب، فكلما ازداد النفاق عظماً ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاقُ اسودَّ القلبُ كلّه؛ وأيمُ اللهِ، لو شققتُم على قلبِ مؤمنٍ لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود". [مسند الإمام علي، العلامة السيد حسن القبانجي، تحقيق الشيخ طاهر السلامي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج1، ص181-182] [اللُمْظَة: النقطة السوداء في القلب. واللُماظة: بقية الشيء القليل. (المنجد في اللغة)] [63] سجودَ، وتسبيح، دلالةٍ وغايةٍ؛ إذ بوجود الموجودات على ما هي عليه، وبماهيتها، دلالةٌ على وجود الحق: الإله الواحد العظيم.. قال تعالى: "ولله يسجدُ مَن في السماوات والأرض طوعاً وكَرْهاً". [سورة الرعد، الآية: 15] وقال: "ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض". [سورة النحل، الآية: 49] وقال: "وإنْ من شيء إلا يُسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم". [سورة الإسراء، الآية: 44] وقال: "ألم ترَ أن الله يُسبِّح له مَن في السماوات والأرض". [سورة النور، الآية: 41] [64]الإسلامُ يدعو إلى المحافظة على الطبيعة والتمتع بجمالها ويحرِّم الإفساد في الأرض. قال تعالى: " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها". [سورة الأعراف، الآية: 56] وقال: "وأحسن كما أحسن اللهُ إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض". [سورة القصص، الآية: 77] وقال: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها". [سورة هود، الآية: 61] ومن مصاديق الفساد المنهي عنه: الأعمال المضرة بالبيئة والثروة الحيوانية، مثل: استئصال الغابات والأحراج، وإتلاف المزروعات، وتسميم المياه، بما يؤدي إلى القضاء على الثروة الحيوانية فيها.. قال تعالى: "وإذا تولَّى سعى في الأرض ليُفسدَ فيها ويُهلِكَ الحرْثَ والنسلَ والله لا يُحبُّ الفسادَ". [سورة البقرة، الآية: 205] والإسلام، لا يكتفي بتحميل الإنسان، وهو خليفة الله على الأرض، المسؤولية عن حماية البيئة وحفظها، بل يدعوه إلى الاقتراب منها ومصادقتها وإحيائها. فالنبي ــ ص ــ دعا إلى الاهتمام بالنخل كما بالأرحام. قال (ص): "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خُلِقتْ من فضلة طينة أبيكم آدم..". [حلية الأولياء، أبو نعيم، 6/132. تاريخ دمشق، الإمام الحافظ ابن عساكر، 70/92] وقال ــ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ــ: "ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة". [حديث صحيح: انظر البخاري ومسلم، وغيرهما] أما بخصوص عالَم الحيوان فقد بيَّن الإسلامُ أن عالم الحيوان، سواءً من يمشي على الأرض، أو يدب عليها، أو يزحف على بطنه، أو يطير بجناحيه، أو يسبح في الماء، طوائف مخلوقة، مثل عالَم الإنسان، خلقها الله، وقدّر أحوالها وأرزاقها وآجالها.. قال تعالى: "وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم". فأمرَ بالرحمة بالحيوان والرفق به وجعله باباً لدخول الجنّة، ونهى عن القسوة عليه وتعذيبه إذ جعل ذلك سبيلاً لدخول النار، فحرّم قتل الحيوان جوعاً أو عطشاً، وحرّم المكث على ظهره طويلاً وهو واقف، وحرّم إرهاقه بالأثقال والأعمال الشاقّة، وحرّم التلهّي بقتله، كالصيد للتسلية لا للمنفعة، واتخاذه هدفاً للتعليم على الإصابة؛ ونهى الإسلام عن كيّ الحيوانات بالنار في وجوهها للوسم، أو تحريشها ببعضها بقصد اللهو، وأنكر العبث بأعشاش الطيور، وحرق قرى النمل، وبذلك جعل الإحسان إلى الحيوانات من شعب الإيمان، وإيذاءها والقسوة عليها من موجبات النار. قال رسول الله ــ ص ــ: "وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ". (حديث صحيح، أخرجه الألباني في سلسلته عن البخاري وابن حنبل والطبراني وابن عساكر) وقال: "إنَّ اللهَ ــ تبارك وتعالى ــ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ، يرضى به، ويعين عليه ما لا يُعينُ على العنف، فإذا ركبتُم هذه الدوابَّ العُجْمَ فأَنزِلوها منازِلها، فإنْ كانت الأرضُ جَدْبَةً فانجوا عليها بنِقْيِهَا". [حديث صحيح. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق. (النِّقي: الشحم. وأنقتِ الإبلُ: سمنتْ وصار فيها نقي)] وقال: "مَن قتل عصفوراً عَبَثاً عَجَّ إلى الله يوم القيامة يقول: يا ربِّ، إنَّ فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني لمنفعة". (انظر: مسند أحمد بن حنبل و: كنز العمال..) [65] سورة الأعلى، الآية: 14. [66] سورة فاطر، الآية: 18. [67] سورة الشمس، الآيات: 7-9. [68] سورة البلد، الآية: 10. [69] سورة الإنسان، الآية: 3. [70] سورة هود، الآية: 105. وأما معنى "إلهام الفجور والتقوى" ــ على التفصيل ــ، فهو: الإدراك لمبادئ الشهوة والعقل، فالشهوة (الغريزية) تبحث عن الإشباع المطلق دون أن تخضعه للمبادئ أو الضوابط المقررة، والعقل (الفطري السليم) يبحث عن الإشباع، إلا أنه يقيده بالمبادئ والضوابط المقررة! وثَمَّ محرِّك للطبيعة البشرية يقف وراء نشاط الكائن الآدمي بأكمله، متمثِّلاً بالمبدأ المعروف: البحث عن اللذة واجتناب الألم. هذا المبدأ يُجسِّد في التصوّر الإسلامي أصلاً نفسياً قائماً على "طبيعة ثنائية" يتجاذب طرفاها الكائنَ الآدميَّ في بحثه عن اللذة، وطرفا التجاذب هما: الشهوة والعقل، أو: الذات والموضوع، ويتمثَّل أولهما في البحث عن الإشباع المطلق، والآخَر في الإشباع المقيَّد بالمبادئ والضوابط المقررة. ويوازن هذا الأصل النفسي: أصل عقلي قائم على قدرة "التمييز" بين نمطي الإشباع المذكورين، "إلهام الفجور والتقوى". والأصل النفسي المذكور مجسَّد بثنائيته طاقة متوازنة لا هيمنة لإحداهما على الآخَر إلا من خلال الطريقة التي يختارها الكائنُ الآدميُّ في بحثه عن الإشباع. قال نبي الإسلام ــ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم ــ: "من المداومة على الخير كراهية الشر". وبعامّة، فإن التصوّر الإسلامي لعنصري "الوراثة" و "المحيط" يتمثَّل في أن النوع الإنساني يرث "أصلاً نفسياً" عاماً على مستوى الوراثة النقية، لا يتمايز من خلالها فرد عن آخَر، سواء أكان ذلك متصلاً بالمهارات العقلية أو العمليات النفسية، بيد أن هناك "وراثة طارئة" تُدرَج ضمن شروطٍ خاصة، تتصل بالأفراد أو الرهوط، فيما تُشكِّل استثناءً للقاعدة العامة. وخارجاً عن ذلك، فإن "التنشئة" تتكفَّل بتحديد النمط الذي تختطه الشخصيةُ في "الأصل النفسي" الذي ترثه بـ: "القوة"، ونعني به قدرتها على تمييز واختيار النمط الملائم من السلوك. [علم النفس الإسلامي، د. عبد الرؤوف عبد الغفور، دار الحوراء ودار المرتضى ــ بيروت، ط1/1987، ص14 وما بعد] [71] هناك مناهج عِلمية دينية خاصة بكافة مناحي الحياة لا يسع المقام هنا لذكر جميع أسسها، لكن لا بأس من الإشارة إلى بعض ركائزها ومحاورها عبر الأقوال والنماذج التالية: قال تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تُسرِفوا". [سورة المائدة، الآية: 31] وقال رسول الله ــ ص ــ: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع". [موسوعة أهل البيت الكونية، المجلد الخامس: خلق الإنسان، تأليف وإعداد: عبد السلام الرفاعي، إشراف: الشيخ فاضل الصفار؛ سحر للطباعة والنشر، ط1، ص277] وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لابنه الحسن ــ ع ــ: "يا بني، ألا أُعلمك أربع خصال تستغني بها عن الطب"؟! فقال: بلى، يا أمير المؤمنين. قال: "لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام إلا وأنت تشتهيه، وجَوِّد المَضْغَ؛ وإذا نمتَ فأعرض نفسكَ على الخلاء، فإذا استعملتَ هذا استغنيتَ عن الطب". [المرجع السابق، ص277-278] وقال الرسول ــ ص ــ: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء". [المرجع السابق، ص278] [72] تكرر في هذه السورة الشريفة بعض معاني الخطاب، تارةً بخلاف لفظي وأُخرى بتطابق حرفي، والسببُ في ذلك: التأكيدُ، حيث نزل القرآن بلغة العرب، ومن عادتهم تكرير الكلام للتأكيد والإفهام، فيقول المجيب: بلى، بلى. ويقول الممتنع: لا، لا. قال تعالى: "كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون"؛ ومثله: فبأي آلاء ربكما تكذِّبان. ولأن الكافرين أبدوا في ذلك (أيْ كفروا ابتداءً ورفضوا الدعوة الجديدة)، وأعادوا (أصرُّوا وتشبثوا)، كرر ــ سبحانه ــ ليؤكِّد إياسهم وحسْم أطماعهم. [مجمع البيان في تفسير القرآن، الفضل الحسن الطبرسي، مج10، ج30، ص464. و: إعراب القرآن الكريم وبيانه، محي الدين الدرويش، دار ابن كثير، ط5/1996، مج10، ص602] |