|
Written by د. سام علي
|
|
الخضر (ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! يحتلُ الخَضِرُ مكانةً عالية جداً عند المسلمين، ويعتبره بعضُهم نبياً[1]، وبعضٌ آخر رجلاً صالحاً حكيماً[2] كـ: لقمان[3]؛ وآخرون: يجلِّون الاسم، ويحترمون الشخص، لكن دون الدخول في حيثيات النصوص المتضاربة حول شخصه[4]، وذلك بسبب رغبتهم بالبقاء بمنأى عن الخلافات الجدلية والانشقاقات البينية!
ورغم اتفاق جميع المسلمين على مكانة "الخَضِر" الدينية السامقة وقعتْ فتنةُ الخلافِ العميق الممزِّق للأمة، وذهب بعضٌ باتجاه تقديسه ونَسْبِ الأعاجيب والخوارق له، وذهب بعضٌ آخرٌ إلى تكفير مَن اعتقد ذاك الاعتقاد؛ وأصبح في الأمة اليوم: قوم يدَّعون الاتصال بالخضر، وغيره من الأنبياء والصالحين، ويمارسون طقوساً خاصة للارتقاء الروحي (الوصول إلى حال الكشف والشهادة) واستلهام ما يُسمُّونه "العِلم اللَّدُنيّ"، وهم: المتصوفة[5]؛ وقوم آخرون يقفون على ما صحّ وثبت عندهم من الأحاديث ومذاهب التفسير، مما لا يخالف الروحَ القرآنيَّ الخاصَ بقدرات وخوارق الأنبياء المحدودة بالزمان، والمخصوصة بلوازم تلك المراحل والأيام.. ونظراً لأهمية هذا الموضوع وخطورته، قررتُ أن أُقدِّم دراسة علمية شاملة، تُرضي كل مَن ترك الهوى من أجل الحق، ونزل بنفسه منزل الإيمان والصدق؛ غير مدَّعي الكمال والعصمة لنفسي، وإنما: الاحتياط والحذر، والجدّ بالعمل، والإخلاص، بأعلى ما أستطيع وأقدر. والله الموفِّق، وهو الهادي؛ وبه وحده أستعين، وعليه وحده أتكل، وكفى بالله حسيباً ووكيلاً وولياً ونصيراً.. أقول: لعل خير ما يُبدأ به هو ما جاء في الذكر الحكيم من القصة المختلَف على دلالتها ومنزلة بعض شخصياتها، وهي: قصة صحبة النبي موسى ــ عليه السلام ــ للرجل الصالح (الخضر) طالباً للعِلم ــ وهو الكليم وصاحب الشريعة الأولى ومن "أولي العزم" من الأنبياء ــ[6]! قال تعالى في كتابه العزيز: {فوجدا[7] عبداً من عبادنا[8] آتيناه رحمةً[9] من عندنا وعلَّمناه من لدُنَّا عِلماً[10] * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمنِ مما عُلِّمتَ رُشداً * قال إنك لن تستطيع معيَ صبراً * وكيف تصبر على ما لم تُحط به خُبراً * قال ستجدني إنْ شاء اللهُ صابراً ولا أعصي لك أمراً * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتى أُحدث لك منه ذِكراً * فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتَها لتُغرق أهلها لقد جئتَ شيئاً إِمراً * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معيَ صبراً * قال لا تؤاخذني بما نسيتُ ولا تُرهقني من أمري عُسراً * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله[11] قال أقتلتَ نفساً زكية بغير نفسٍ لقد جئتَ شيئاً نُكراً * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معيَ صبراً * قال إنْ سألتُكَ عن شيء بعدها فلا تُصاحبني قد بلغتَ من لدُنِّي عُذراً[12] * فانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قرية استطعما أهلها فأبوا أن يُضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يُريد أن ينقضَّ فأقامه قال لو شئتَ لاتخذتَ عليه أجراً * قال هذا فِراقُ بيني وبينك سأُنبّئكَ بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً * أما السفينةُ فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردتُ أن أَعيبها وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كل سفينة غصباً * وأما الغلامُ فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يُرهقهما طُغياناً وكُفراً * فأردنا أن يُبدلهما ربهما خيراً منه زكاةً وأقربَ رُحْماً * وأما الجدارُ فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربُّك أن يبلغا أشُدَّهما ويستخرجا كنزهما رحمةً[13] من ربِّك وما فعلتُه عن أمري[14] ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً}[15] وبقراءة متأنية فاحصة لهذه الآيات الشريفة، وخلاصة ما قيل فيها، يمكن لنا الركون إلى الحقائق التالية: · الخَضِرُ لقبٌ، أو صفة؛ وليس ثَمَّ حديث صحيح معتبر يثبت صحة الحكايات الشعبية المروية عنه.. (من بقائه حياً إلى فاعليته وظهوره بين الناس)[16] · الأحرى بالمرء، والأحوط، والصحيح، أن يلتزم جادة الحق فيتبَّنى اللفظ القرآني الوحيد الخاص بذكره كشخص، وهو: "العبد الصالح"! · "العبد الصالح" كان من صفوة الصالحين العاملين بأمر الله، المظهِّرين لقدرة بارئهم، المحقِّرين ذواتهم وأنفسهم أمام تلك القدرة وذاك البارئ[17].. · لم يكن "العبد الصالح" نبياً[18]، إذ لو كان نبياً لَذُكرتْ نبوته صراحةً، أو: لَدَلَّ عليها ظاهر اللفظ أو السياق. فالذي دلَّ عليه السياق: الرحمة[19]، والتي هي: ذاك الاختصاص الإلهي بالحكمة[20]، والعِلم بخفايا الأمور ودقائقها..[21] · كان "العبد الصالح" حكيماً كلقمان الحكيم.. فلقمان صاحب سورة في القرآن، ومنعوت بأجل الصفات، إلا أنه لم يكن نبياً! · قضية الربط بين تعليم "العبد الصالح" لموسى[22] وبين نبوّته قضية لا أصلاً منطقياً لها! فالحكمة اقتضتْ أن يكون نبيُّ شريعةِ الأولى مفتقراً إلى العِلم التطبيقي أو الحكمة العملية، وكان لا بد ــ في هذه الحال ــ من عبد صالح يعلّمه ما يحتاجه، ولا ضرورة البتة أن يكون ذلك العبد بمقامه (نبوةً)، أو أعلى منه شأناً[23]! · عدم ذِكر اسم "العبد الصالح"، ولا لقبه، ولا شيء يدل على شخصيته، يدل على حقيقة واحدة فقط، هي: ليس القصد من ذكر قصة "الرجل الصالح" إبراز أهمية أو دور الرجل الصالح ذاته، وإنما أهمية ودور الخبرة في الممارسة العملية والتطبيقية للشرائع والقوانين، والتبصُّر بغايات تلك الشرائع وأبعاد وجودها والحكمة من وراء تطبيقها! (بمعنى: فَهْم روحِ الشريعة والقانون وجوهرهما، وأهمية العِلم ونسبيته وآدابه، وافتقار كل الخلق إلى الله أو ما شاء الله..) فقد قال تعالى عن موسى: وكتبنا له في الألواح من كل شيءٍ موعظة وتفصيلاً لكل شيء[24]، وجَعَلَهُ محتاجاً بعد ذلك إلى غيره من الخلْق ليتعلَّم منه ما شاء له أن يتعلَّم! · ليست كلمة "لدنَّا" الواردة في الآية الخاصة بعِلم "العبد الصالح" دالة على وجود عِلم اسمه: "العِلم اللَّدُنِيّ"، ولا على خاصية فائقة، بدلالة ما ورد في ذات السياق على لسان موسى: "قد بلغتَ من لَدُنِّي عُذراً". · طلب موسى العِلم للرُّشد يدل على حاجة الشريعة إلى العِلم، أو حاجة العامل بالشريعة إلى العِلم؛ وهو درس تربوي عظيم. وقد أَمَرَ اللهُ ــ تعالى ــ سيدَ الأنبياء والمرسلين وخاتمهم بطلب العِلم بقوله: وقل ربي زدني عِلماً.[25] · دلَّتْ آياتُ الذكر الحكيم الخاصة بنبيّنا الكريم ــ ص ــ على أشياء مهمة جداً، منها: 1ــ أن عِلم الغيب من اختصاص الله وحده. (لستُ بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) 2ــ حتمية الموت على ابن آدم. (وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد. وقوله: إنك لميت وإنهم لميتون) 3ــ أن لو كان "العبد الصالح" حياً إلى زمن نبينا الكريم ــ ص ــ لَوجب عليه قصده وتصديقه ونصرته.. (وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه..)[26] إذاً، هذا هو الخَضِرُ الحقيقي الذي علّمنا اللهُ من حكمته، ووعظنا بقصته.. وهذا هو تكليفنا الإيماني ــ القرآني ــ به.. فسلامُ اللهِ عليك أيها العبد الصالح، المعلِّم، الرشيد.. ورحمة الله وبركاته.
سام محمد الحامد علي الحواشي والمراجع: [1]وهو قول أكثر علماء المسلمين. [انظر: قصص الأنبياء، الإمام الحافظ ابن كثير القرشي الدمشقي، دار الفيحاء، ط1، ص375] وما قولي: "أكثر علماء المسلمين" بتأييد لذاك الرأي، أو لإبرازه، وإنما لإيراده وتحليله! فالمؤكد، والثابت الواضح، أن جلَّ أولئك العلماء ــ رحمة الله عليهم جميعاً ــ قد توهَّم في أخبار اليهود وقصصهم نظراً لشح المصادر التوراتية المترجمة عندهم ولتعذُّر وجود دراسات تاريخية وأركيولوجية بين أيديهم! والحقيقة أنه ثمَّ فرق كبير بين مفهوم النبوة عند أهل الكتاب وبين مفهومها عند المسلمين، ولعل هذا الأمر هو الذي أوقع أكثر علمائنا بمزالق التوهُّم! فالنبي عند المسلمين هو الشخص المختار من قبل الله ــ سبحانه وتعالى ــ للنبوة، والموحى إليه.. وله صفات ثابتة: كالعصمة في النبوة، والخُلق الحسن.. بينما مقام النبوة عند غير المسلمين قد لا يتطلب كل ذلك! بل وأكثر من هذا، إذ "لقب النبي" عندهم غير موقوف على الأنبياء الحقيقيين، فإلى جانب هؤلاء هناك أنبياء بعل (سفر الملوك1: 18/22)؛ كما أنه هناك أيضاً أناس يجعلون من التعليم النبوي حرفة مع أنهم يتكلَّمون دون أن يلهمهم الرب (سفر الملوك1: 22/5-6)! [معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، ص797] [2]كان ابن الإخشيد يجوّز أن لا يكون نبياً، ويكون عبداً صالحاً أودعه اللهُ من عِلم بواطن الأمور ما لم يودعه غيره. [مجمع البيان في تفسير القرآن، أمين الإسلام الفضل الحسن الطبرسي، منشورات الأعلمي، ط2، مج6، ج15، ص367] والإخشيد هو: العلامة الأستاذ: أبو بكر، أحمد بن علي بن بيغجور الإخشيد، صاحب التصانيف. كان يدري الحديث، ويرويه عن أبي مسلم الكجي وطبقته. وكان ذا تعبُّد وزهادة. توفي في شعبان سنة ستٍ وعشرين وثلاث مئة. [سير أعلام النبلاء، الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الدمشقي، مؤسسة الرسالة، ط11، مج15، ص217-218] [3] لقمان: من قبائل "عاد"، وهي القبيلة التي كان فيها "لقمان" الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وفي الشعر الجاهلي وفي القصص. وقد ضرب به المثل بطول العمر فعُدَّ في طليعة المعمِّرين، وعدّه أبو حاتم السجستاني ثاني المعمِّرين في العالم بعد الخضر! وقد كان عرب الجاهلية يعرفون قصص "لقمان"، وكانوا يصفونه بالحكمة. وقد وصف في القرآن الكريم بهذه الصفة: "ولقد آتينا لقمان الحكمة". ولهذا السبب عُرف بين الناس، وفي الكتب، بـ: "لقمان الحكيم". [المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، منشورات الشريف الرضي، ط1، مج1، ص314] [4] تأكيداً لِما سبق الإشارة إليه من توهّم علماء المسلمين في أخبار أنبياء بني إسرائيل، وتخبّطهم، نورد آية شريفة ونموذجاً من الشروحات الإسلامية لها، ثم تحقيق الاسم التاريخي! قال تعالى: وقالت اليهودُ "عُزير" ابن الله.. [سورة التوبة، 30] قال جمهور المفسرين ما مؤدَّاه: قيل أن عُزير كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم يعملون بها ما شاء الله أن يعملوا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق. وكان التابوت (تابوت موسى) فيهم فلما رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء، رفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، وأرسل عليهم مرضاً، فاستطلقت بطونهم حتى جُعل الرجل يمشي كبده، حتى نسوا التوراة، ونسخت من صدورهم، وفيهم عُزير.. وكان عُزير قبلُ من علمائهم، فدعا اللهَ وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نُسخ من صدره من التوراة.. فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه، فأذّن في قومه فقال: يا قوم، قد آتاني اللهُ التوراة.. ثم إن التابوت نزل بعد ذلك.. فقالوا: والله ما أُوتي هذا إلا أنه ابن الله! [جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المعروف بـ: تفسير الطبري، الإمام المحدِّث محمد بن جرير الطبري، نسخة ضبطها وعلق عليها: محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، ط1، ج10، ص127. انظر أيضاً: تفسير القرآن العظيم، الإمام الحافظ ابن كثير القرشي الدمشقي، دار التراث العربي، ، مج2، ص348] بينما عَزرا (والذي هو عُزير): كاهن وكاتب. بعد مدة دامت بضع عشرات من السنين، كلَّفه "أرتحششتا" ملك الفرس بمهمة رسمية، فوصل إلى أورشليم وأحزنته رؤيةُ حالةٍ من عدم الأمانة للدين اليهودي، خصوصاً كثرة الزوجات بين اليهود والوثنيين، فأقدم على إصلاح جذري في هذا الموضوع، ولقي دعماً من قِبل الشعب، فطرد الغرباء إلى ما وراء حدود الأرض اليهودية. [مدخل إلى سِفري: عزرا ونحميا. الكتاب المقدَّس (مع شرح وحواشي توضيحية)، العهد القديم، دار المشرق، ط3، ص831] ومعنى اسم "عزرا": عون. وكان (عزرا) قد كتب معظم سِفري أخبار الأيام الأول والثاني، وسِفري عزرا ونحميا ومزمور119؛ وقد كوَّن مجلساً من 120 رجلاً لإقرار قانوينة أسفار العهد القديم. [التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، شركة ماستر ميديا، القاهرة ـ مصر، ص988] [5]التصوف (بالحقيقة) هو: نزاهة طبع كامنة في الإنسان، وحُسن خُلق مشتمل على ظاهره. وقيل: التصوف عبارة عن تجريد القلب لله، واستحقار ما سوى الله. [دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج11، ص325] وقد ابتُدِع في التصوف، أو استعمل الاسم (الصوفي) في مواضع ومجالات وصور وممارسات غير حميدة، أو: غريبة ومبتدعة.. لذا جرى على لسان كثير من العلماء ذمه وأهله! قال الإمام أبو القاسم القشيري في وصف حال التصوف التي آلت إليها بعد غياب الشيوخ الثقات: مضى الشيوخُ الذين كان بهم اهتداء، وقلَّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع وقوي رباطه، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدُّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام، وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادت، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميادين الغفلات وركنوا إلى اتباع الشهوات.. ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا من رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال.. [سلسلة من ذخائر العرب 75: الرسالة القشيرية، الإمام عبد الكريم القشيري، طبعة دار المعارف، ج1، تحقيق الإمام الدكتور عبد الحليم محمود والدكتور محمود بن الشريف، ص16] وقد أخبر رسول الله (ص) عن هذا "الأمر الواقع" بوصيته للصحابي الجليل أبي ذر (رض): "يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، ويرون أن لهم الفضل بذلك على غيرهم، أولئك يلعنهم ملائكة السماوات والأرض"! [دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، مج11، ص327] وفي هذا السياق، ومن أجل حفظ الأمة من زخرف أولئك القوم وضلال دعوتهم، قال حفيد رسول الله ــ ص ــ الإمام الرضا (ع): مَن ذُكِرَ عنده الصوفية ولم ينكرها بلسانه وقلبه فليس منا، ومَن أنكرهم فكأنما جاهد الكفار بين يدي رسول الله ــ ص ــ. [المرجع السابق: دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الأعلمي الحائري، مج11، ص327] [6]جاء في التفسير عن الصحابي ابن عباس (رض) ــ الملقَّب بـ: "حِبر الأمة" ــ: سأل موسى ربَّه وقال: رب أيّ عبادك أحبّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أيْ ربِّ أيّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي عِلم الناس إلى عِلم نفسه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو ترده عن ردى. قال: فهل في الأرض أحدٌ؟ (أيْ أعلم) قال: نعم. قال: ربِّ، فمَن هو؟ قال: الخَضِرُ. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل.. [تفسير الطبري، الإمام المحدِّث ابن جرير الطبري، ج15، ص320] [7] موسى وفتاه. (متفق عليه) [8] هو الخَضِرُ بالاتفاق! والخضر لقب له، أما الاسم فهو: بليا بن ملكان، ولهذا نجد الاسم مصحَّفاً في بعض المراجع باسم الأب "ملكان"!، وبليا هذا هو: إيليا نبي أهل الكتاب المشهور! [انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن، أمين الإسلام: الفضل الحسن الطبرسي، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج6، ص367. وانظر: قصص الأنبياء، الإمام الحافظ ابن كثير القرشي الدمشقي، ص374] وإليكم بعض أهم قصصه وأعماله التي قامها بها وتركتْ إشارات ومداليل خاصة! جاء في التوراة: قام (إيليا*) وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يوماً وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب.** (*) أشهر أنبياء إسرائيل وأكثرهم ظهوراً. [التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، شركة ماستر ميديا، القاهرة ـ مصر، ص751] (**) سفر الملوك الأول، 19: 8. وجاء في الإنجيل: مضى يسوع ببطرس ويعقوب وأخيه يوحنا، فانفرد بهم على جبل عالٍ، وتجلَّى بمرأى منهم، فأشعَّ وجهه كالشمس، وتلألأتْ ثيابه كالنور، وإذا موسى وإيليا قد تراءيا لهم يُكلِّمانه(*).(**) (*) قيل في شرح هذا السياق: أراد إيليا أن يحافظ على العهد، وأن يعيد صفاء الإيمان، فعزم على الذهاب إلى المكان الذي تجلى فيه الإله الحق (لموسى) والذي قُطع فيه العهد. وهو يصل عمله صلة مباشرة بعملِ موسى. قرَّب التجلي الإلهي في حوريب بين موسى وإيليا، وسيقرِّب بينهما أيضاً تجلي المسيح. [الكتاب المقدَّس مع شرح. دار المشرق ـ بيروت، جمعيات الكتاب المقدَّس في المشرق. ص668] (**) إنجيل متى، 17: 1-4. وانظر: إنجيل مرقس، 9: 2-5. [يرجى إعادة قراءة الحاشية السابقة الوارد فيها الفرق بين معنى النبوة عند المسلمين ومعناها عند غيرهم!] [9]الرحمة بمعناها الأدق والأشمل هي: النعمة. [انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن، أمين الإسلام: الطبرسي، مج1، ص442] وتعني في هذا السياق: ما خصَّ اللهُ ــ سبحانه وتعالى ــ عبدَهُ الصالح به، وهو ما تبيِّنه تتمة الآية الشريفة. [10]لدن تعني: عند. و: من لدنَّا: من عندنا. قال سيبويه: "لَدُنْ" جُزِمَتْ (سُكِّن آخرها بسكون) ولم تُجعَل كـ: "عِنْدَِ" (محرَّكة الآخِر بفتحة أو كسرة)، لأنها (أي كلمة "لدنْ") لم تُمكَّن في الكلام تمكُّنَ "عنْد"! (أي قَصُر استعمالها على بعض الحالات والوجوه!) قال أبو أسحاق: "لَدُنْ" لا تُمكَّن تمكُّنَ "عِنْد" لأنك تقولُ: هذا القولُ عندي صوابٌ، ولا تقول: هو لَدُني صوابٌ! وتقول: عندي مال عظيم، والمال غائبٌ عنك (أي تستعمل "عند" بكافة الحالات)، و"لَدُنْ" لِما يليك لا غير (أيْ: للقريب). [لسان العرب، ابن منظور، مادة: لدن. انظر طبعة دار المعارف، مج5، ج44، ص4022] أقول: لقد استفضتُ ــ قليلاً ــ ببحث كلمة "لَدُنْ" لأجلو بنور العلم والحقيقة إيهامات الواهمين، وضلالاتهم المبثوثة، حول دلالة الكلمة! إذ قيل أن تلك الكلمة تعني معنىً خاصاً، ودلالتها وجود ما يُسمَّى بـ: "العِلم اللَّدني" المقابل للعِلم المعروف: "العِلم الاكتسابي"؛ بينما الحق أن يُقال: "الحقائق الوهبية" في إزاء "العلوم الكسبية"! فقد يلهم اللهُ عبداً من عباده اكتشاف حقائق عَجِزَ غيرُه عن اكتشافها، وهو من توفيقه له ومنّه عليه؛ وأعظم دلالة على صحة هذا المذهب هو قصة النبي موسى (ع) ذاته الذي قصد العِلم من أهله، وفصْله الخطابَ في معنى كلمة "لدُن" بقوله: "قد بلغتَ من لدُنّي عُذراً". [بلغتَ: وجدتَ. و: من لدُنِّي عُذراً: من قِبلي عُذراً. (انظر: تفسير كنز الدقائق، الميرزا محمد المشهدي، دار الغدير ـ قم، ط2003، تحقيق حسين دركاهي، مج8، ص109)] [11] يشتكل على بعض الناس قضيةُ "قتْل الخضر للغلام"، إذ لا يرى هؤلاء مبرراً مُقنِعاً لاستحقاق الغلام الموت بهذه الطريقة (عمداً وعلى يد شخص، لا انتهاء أجله بحادثٍ أو مَرَضٍ)، وهذا أمر الطبيعي، إذ ذاك البعض (المشتكِل عليه حادثة القتل) غافل عن قضايا روحية ومادية أساسية وجوهرية. فمن حيث الروح، أو الأمور الروحية، قد يُبلَّغ العبد الصالح تبليغاً صريحاً لا لبس فيه ولا شك من الله ــ عزَّ وجلَّ ــ بفِعلِ أمورٍ يشتكل على عامة الناس فهمها، وهذه ليست سنة جارية، ولا عُرف ولا عادة، وإنما حالة استثنائية خاصة جداً أناطها الله بشخصٍ وزمنٍ محدَّدين تماماً! ونظير حادثتنا هذه ما أوحاه الله ــ اختباراً ــ لخليله إبراهيم في الرؤيا التي أراه إياها من ضرورة ذبح ابنه إسماعيل ثم فداه بذبحٍ عظيم! فاقتضت الحكمة الإلهية في الأولى التنفيذ الخاص والمحدد والاستثنائي، والاختبار والفداء في الحالة الثانية. أما من الناحية المادية (الظاهرية الملموسة) فقد تجلَّت الحكمة الإلهية العظيمة برحمة الله في تلك القتلة للابن الذي استُوقفتْ حياته فعُفي من اختبار الضلال (حسب ما اختُص به من رحمة الله)، وبرحمة الأهل الصالحين اللذين تلطَّف اللهُ بهما من خلال استبداله ابنهما غير الصالح بابن صالح (وهو ما أشارت إليه الآية المتحدثة عن تأويل ذلك)؛ ولعمري، لماذا يُسمح في بعض البلاد التي تتشدق برقيّها التشريعي الإنساني بـ: موت الرحمة، أو: قتْل الرحمة، الذي يُمارس على مريض ميؤوس منه، ولا يُفهم ولا يُسمح بأمر الحكيم وإرادته؟ فالفِعل بالفاعل أولاً، ثم بغايته، ثم بطبيعته! فلو أعطى أحد الأشخاص غير المختصين أو المخوَّلين إبرة "الرحمة" إلى المريض الميؤوس منه، المعذَّب بحياته، لَعُوقِب معاقبة القاتل.. وهكذا! (كشرعية وعدالة حُكم الإعدام المنفَّذ بحق مجرم مستحِقّ له من قِبل السلطة المخوَّلة، في حال بطلان قتْل ذات المجرم على يد غير المخوَّلين بدواعي الغضب والانتقام والاحتكام إلى شريعة الغاب!) وفي حادثة قتل الغلام المارّة معنا نجد فِعل القتل بالفاعل: شخص موحى إليه (مكلَّف شرعياً وبالتالي قانونياً وبشخص محدد ولمرة قد لا تُكرر!)، و: الفِعل بغايته: كانت الغاية نبيلة، وقد تحققتْ دون ألم أحد ولا أذى حقيقي. و: الفِعل بطبيعته: موت جارٍ.. (الموت واحد وإنْ تعددتْ أسبابه). [12]بلغتَ: وجدتَ. و: من لدُنِّي عُذراً: من قِبلي عُذراً. [تفسير كنز الدقائق، الميرزا محمد المشهدي، مج8، ص109] [13]نعمةً ومنّة.. (كما مرَّ سابقاً!) [14] أي: ما فعلتُ ما فعلتُ من تلقاء نفسي، وإنما مما تيقنتُ من وحي ربي وهداه! وهذه الآية وحادثة قتل الغلام هما اللتان دفعتا البعضَ إلى القول بأن "العبد الصالح" (الخضر) نبي! فقد دلَّتا ــ حسب رأيهم ــ على أنه موحى إليه ومأمور، الوحي والأمر النبويّ المستوى! وأين معنى النص الحقيقي مما ذهبوا إليه! لقد أصابوا ــ بصفاء نيّتهم وغزارة عِلْمهم وصِدْق عملهم ــ كبدَ الحقيقة بإشارتهم أن "العبد الصالح" رجل موحى إليه ومأمور، ولكن على غير ما ذهبوا إليه من مقام مُدَّعى دون نص قرآني صريح أو حديث صحيح معتبر؟! أما "أمْر الله" الكائن لغير الأنبياء المشيرة إليه الآية الشريفة "وما فعلتُه عن أمري" فهو ما تنتجه العبادة الخالصة والاختصاص المحدود والموهوب من الله ــ سبحانه وتعالى ــ. والدليل اللغوي والمعنوي على ذلك ما جاء في الذكر الحكيم من قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر". [سورة العنكبوت، 45] وقوله: "قالوا يا شعيبُ أصلاتُك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا..". [سورة فصلت، 87] وقد علمنا أن الصلاة لا تأمر بذاتها ولا تنهى، وإنما تترك أثراً روحياً ومعنوياً، كبيراً وعميقاً، في نفس ووجدان مَن تقوم حياته الدينية على محوريتها ومركزيتها! أما الاعتقاد برفعة مَن يقع عليه الأمر الرباني، على الإطلاق، فاعتقاد غير صحيح شأنه شأن الاعتقاد ببقاء "الخضر" حياً إلى يومنا هذا! ودليل ذلك قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: "وإذا أردنا أن نُهلِك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها". [سورة الإسراء، 16] فخُصَّ المترفون هنا بأمر الله، أو أُمِروا من الله (بفسقهم ومعصيتهم كما قال: "أفرأيتَ مَن اتخذ إلهه هواه فأضله اللهُ على عِلم"). [قال ابن عباس: أمرنا مترفيها: سلَّطنا رؤساءها ففسقوا. (لسان العرب، ابن منظور، مج1، ج2، ص126)] ومثل ذلك قول الحق ــ جل من قائلٍ ــ لسيد الأنبياء وخاتم المرسلين: "وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخُلدَ". [سورة الأنبياء، 34] وقوله للشيطان الرجيم: "إنك من المنظرين". [سورة الأعراف، 15] أيْ كتب على أَجَلِّ خلقه الموتَ القريبَ بينما أجَّلَ موتَ شرِّ خلقه إلى يوم الوقت المعلوم! وأما الوحي فليس من اختصاص الأنبياء بالمطلق، كما أنه ليس بمعنى واحد ولا على مستوى واحد! قال تعالى: "وأوحى في كل سماء أمرها". [سورة السجدة، 12] والمراد بالأمر ــ كما هو واضح ــ التكليف الإلهي المتوجِّه إلى أهل كل سماء من الملائكة.. [الميزان في تفسير القرآن، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج17، ج24، ص368] وخير ما يلجو هذه الحقيقة، ويفصلها، قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثَّل لها بشراً سوياً * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إنْ كنتَ تقياً * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً". [سورة مريم، 17-19] ومعنى الآيات الشريفة ــ حسب ما اتفق عليه سائر علماء المسلمين ــ: فأرسلنا إلى السيدة مريم الروحَ الأمينَ "جبرائيل" (روحنا) فتمثَّل لها بشراً سوياً لتطمئن إليه وتتمكن من محاورته على الصورة التي تحتاجها، فأبلغها الرسول (الروح ــ الوحي) أمْر الله، وقضى اللهُ أمرَه؛ وما من عاقل يقول أن السيدة مريم (عليها السلام) نبيّةً! إذاً، يمكن ــ حسب مقتضى الحكمة ــ أنْ يرسل اللهُ روحَه (الوحي) بشكل مباشر إلى أصفيائه وأهل التكليف الخاص، فيعطيهم ويعلِّمهم ما يشاء وما يحتاجون! [15] سورة الكهف، 65-82. [16] قال جمهور علماء المسلمين: إن القرآن يخالف ما ذهب إليه القائلون بحياته (حياة الخضر)، فإن اللهَ ــ جلَّ شأنه ــ قال في محكم كتابه: "وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد"، وقال لشرِّ خلقه إبليس: "إنك من المنظرين" في جواب قوله: "انظرني إلى يوم يبعثون". فجعل ذلك خصوصية لعدوه إبليس لامتحان خلقه به، ولتتم لعنته عليه، ولم يجعل ذلك لأحدٍ غيره لا نعمة ولا نقمة، فالقائل بذلك غير مصيب فيما قاله، والله أعلم. [إعراب القرآن الكريم وبيانه، محي الدين الدرويش، دار اليمامة، ط5، مج5، 639. انظر أيضاً: قصص الأنبياء، الإمام الحافظ ابن كثير القرشي الدمشقي، ص375] [17] انظر إلى قول الرجل الصالح: وما فعلتُه عن أمري. [قرآن كريم: سورة الكهف، 82] [18] حسب الصريح البيّن من لفظ القرآن الكريم ودلالاته.. ونعيد ذكر ما مرَّ معنا سابقاً: كان ابن الإخشيد يجوّز أن لا يكون نبياً، ويكون عبداً صالحاً أودعه اللهُ من عِلم بواطن الأمور ما لم يودعه غيره. [مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، مج6، ج15، ص367] [راجع مهتماً الحاشية السابقة الخاصة بقوله تعالى: "وما فعلتُه عن أمري"] مع الإشارة، والتنبيه، إلى أن القرب من الله، وعلو المكانة والدرجة، والاختصاص بالرحمة.. لا يستوجبوا مقام النبوة، وليسوا حكراً على الأنبياء وحدهم! فالأوصياء، والأولياء، والصالحون.. لهم منزلتهم عند ربهم.. [19]الرحمة ــ كما مرَّ معنا ــ هي: النعمة. [انظر مطلع سورة الكهف التي وردت فيها قصة صحبة موسى للرجال الصالح لا سيما قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ على لسان أهل الكهف: ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيئ لنا من أمرنا رشداً! وهذه الآية تبين لنا حقيقة كلمة: لدن، وكلمة: رحمة، وكلمة: رشد! وإذا كان فتية أهل الكهف ليسوا بأنبياء ولا مخصوصين بعِلمٍ وَهْبِيٍّ خطيرٍ.. وجرى هذا اللفظ القرآني الواحد عليهم وعلى غيرهم ممن تتأخر، وفي ذات السورة، فلماذا يُختص بعضٌ على بعضٍ ببعض المعاني والنص واحد بجوهره وسياقه؟!] [20]"يؤتي الحكمةَ مَن يشاء ومَن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً". [قرآن كريم: سورة آل عمران، 269] وحسبنا فضل لقمان الحكيم وعظمته. قال تعالى: "ولقد آتينا لقمانَ الحكمةَ أن اشكرْ لله". [سورة لقمان، 12] [21] قال السيد محمد حسين الطباطبائي: كل نعمة فإنها رحمة منه تعالى لخلقه، لكن منها ما تتوسط فيه الأسباب الكونية وتعمل فيه كالنعم الظاهرية بأنواعها، ومنها ما لا يتوسط فيه شيء منها كالنعم الباطنية (الخفية) من النبوة والولاية بشعبها ومقاماتها، وتقييد الرحمة بقوله: "رحمة من عندنا" الظاهر في أنها من موهبته لا صنع لغيره فيها يعطي أنها من القسم الثاني، أعني النعم الباطنية، ثم اختصاص الولاية بحقيقتها به تعالى كما قال: "فالله هو الولي". [الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج13، ج16، ص337] [22]قال البيضاوي: ولا ينافي نبوة سيدنا موسى وكونه صاحب شريعة أن يتعلَّم من غيره ما لم يكن شرطاً في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أُرسِل إليهم فيما بُعث به من أصول الدين وفروعه، لا مطلقاً (بعلمه)؛ وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له وسأل منه أن يرشده ويُنعِم عليه بتعليم بعض ما أنعم اللهُ به عليه. [إعراب القرآن الكريم وبيانه، محي الدين الدرويش، مج5، ص638] [23]قال الإمام الحافظ ابن كثير: إن كان الخضر نبياً فموسى أفضل منه. [قصص الأنبياء، الإمام الحافظ ابن كثير، ص433] [24]سورة الأعراف، الآية: 145. [25]قال السيد محمد حسين فضل الله: إن العقل لا يفرض في مسألة القيادة والإمامة والطاعة إلا أن يكون الشخص الذي يتحمَّل هذه المسؤوليات محيطاً بالجوانب المتصلة بمسؤولياته، في ما لا يحيط به الناس إلا من خلاله، أما الجوانب الأخرى من جزئيات حياتهم العامة، أو من مفردات علوم الحياة والإنسان، أو من خفايا الأمور البعيدة عن عالم المسؤولية، فلا دليل على ضرورة إحاطته بها، ولا يمنع العقل أن يكون لشخص حق الطاعة ــ في بعض الأمور التي يحيط بها ــ على الناس الذين يملكون إحاطةً في أشياء أخرى لا يحيط بها ولا تتعلَّق بحركة المسؤولية.. وهذا الرأي يلتقي بالجو القرآني الذي يتحدث عن الأنبياء بطريقة معينة بعيدة عما اعتاده الناسُ في نظرتهم إليهم من خلال الأسرار الخفية والكمال القريب من المطلق. [تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، دار الملاك، ط2، مج14، ص364] [26]قال السيد محمد حسين فضل الله: وقد تذكر بعض الأحاديث أنه حيٌّ لم يمت بعد، وليس هناك دليل قطعي يثبت ذلك.. ولا نجد هناك كبير فائدة في تحقيق الأمر في شخصيته وفي خصوصيته، لأن ذلك لا يتصل بأي جانب في العقيدة والحياة. [تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، مج14، ص363] |