|
العلويون في لبنان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! أكتب هذا البحث الهام بعد تأخُّرٍ ــ متعمَّدٍ ــ طويل عن كتابته؛ تأخراً لم يكن فيه، أو ورائه، أيّ تقصيرٍ أو إهمال، وإنما ترْك هذه الساحة لغيرنا من الإخوة الراغبين بتغطيتها وتمثيلها.. لكن ما أن رأيتُ الحاجة أصبحت ملحة إلى درجة لا يسع غض الطرف عنها، والخطورة قد قاربت من حد التهديد بالأذى الكبير..[1] قررتُ أن أقدِّم بحثاً موجزاً وافياً غنياً، راجياً من الله ــ عزَّ وجلَّ ــ التوفيق والتقبُّل..
أقول: المسلمون العلويون في لبنان[2]، أو: العلويين في لبنان، أو: الطائفة العلوية في لبنان، هم أبناء أو إخوة أو امتداد لأهلهم وذويهم في سوريا؛ وما يقال عن علوية سوريا يقال عن علوية لبنان![3] ولكن لا بأس، أو: لا غنى ــ بالأحرى ــ، عن المرور السريع على بعض أهم النقاط البحثية والدلالية المتعلِّقة بهؤلاء الأهل والإخوة.. أصل العلويين العلويون في كل مكان كإخوانهم في تلك الأوطان[4]، منهم ابن ذاك المكان الأصيل، ومنهم المهاجر إليه منذ الماضي السحيق[5]، ومنهم المستوطن فيه منذ زمن بعيد. والنوعان الأخيران لا يقلان أصالة عن الأول إذ سكان العالم الأقدمون كانوا قلة ومتناثرين ثم هاجروا ورحلوا وتزاوجوا وأنجبوا.. وبناء عليه، لا يهم كثيراً البحث العميق في أصل أنساب ذاك القوم أو تلك الفئة من الناس، ولكن المهم الشعور السليم بالمواطنة، والانتماء الحقيقي للوطن! الوطن الذي هو أغلى من كل شيء، وفوق كل شيء.. ونجد في ثقافة العلويين "المواطنةَ"[6] بأجمل حللها وأعظم معانيها![7] عقيدة العلويين لعله يتوجَّب علينا تعريف العلويين ــ كما اتُّفِق وصحَّ واشتهر ــ لبيان حقيقتهم وأصلهم، ثم التعريف بالمذهب العلوي (إن صح التعبير[8])، ثم بيان العلوية الحقة، ومن ثم الوقوف على الحالة التي آل إليها بعض العلويين. أقول: "إن العلويين هم مسلمون، إماميون، جعفريون، يعتمدون أصول الشريعة الإسلامية عقيدة لهم ويطبِّقون أحكامها وِفقاً لمذهب الإمام السادس أبي عبد الله جعفر الصادق ــ عليه السلام ــ".[9] شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، وافق مَن وافق أو خالف مَن خالف، اعترف مَن اعترف أو اعترض مَن اعترض.. من الداخل أو الخارج! قال المفتي الشيخ، الدكتور، محمد علي حلوم: العلويون هم المسلمون الموالون لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وتضم هذه التسمية جميع الأتباع والموالين من العلويين الشيعة بكل تسمياتهم وفئاتهم.[10] أما عن المذهب العلوي فهو كباقي المذاهب الشيعية، يُفضِّل علياً (ع) على غيره، ولم يخرج عن النطاق الإسلامي، إلا أنه تسرَّب إليه بعض الغلو.. فكان (بعضُ) رجال المذهب يُفسِّرون الدينَ الإسلامي كما يريدون، خلافاً لِما تفسِّره بقية الفرق الإسلامية؛ لكنهم ظلوا مسلمين.[11] أما العلوية الحقة فهي موالاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حقيقةً، والامتثال التام لأوامره ونواهيه، والنهل من فكره الإسلامي الصافي والعذب، واعتبار نهجه هو النهج والدليل والطريق! فما صح وثبت من قوله وفِعله وسيرته هو المحجة والميزان! نقول بقوله، ونأتمر بأمره. نحمد مَن حمده، ونكفُّ عن ذم مَن كفَّ عن ذمه؛ ونحب مَن أحبه ونوالي فيه.. لا نتجاوز ما صدر عنه من قول أو فِعل، ولا نجتهد اجتهاداً يخالف هديه النبوي، حيث لم يكن الإمام علي بن أبي طالب إلا مجسِّداً لسنة نبي الله محمد بن عبد الله المصطفى ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ. إذن، هذه هي العلوية الحقة، وهذا هو أُس الطائفة العلوية، منذ بدايتها وإلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها.. أما عن حال بعض أبناء الطائفة العلوية المخالف لبعض ما ذكرنا (عن العلوية الحقة) فمردّه إلى الظروف التي مرَّت بها الطائفة من ظلم واضطهاد وقتْل وتشريد نتج عنه انعزال وانغلاق وجهل وتخلف..[12] إلا أن تلك الصورة الماضية القاتمة، والحالية المتبيِّضة، لم تخلُ من جوهر إسلامي إيماني ولائي ثمين، وطيبٍ وصفاءٍ والتزام جميل.. آفاق وآمال لانتشار العلويين في شتى بلدان المعمورة، وتنوّع مشاربهم، وغناهم الحضاري، وإرثهم الثقافي، وانفتاحهم، وحُسن انخراطهم بالمجتمعات الغربية والشرقية، بُعدان كبيران. بُعد داخلي يقوِّي الطائفة من الداخل، وبُعد خارجي يحمي الطائفة من الخارج ويُجمِّل صورتها. كما أن للعدد الكبير لأبناء الطائفة العلوية، النسبي قياساً بالأقليات، في سائر أصقاع الأرض، وتبوّء قسم كبير منهم أرفع الدرجات العلمية والاجتماعية والسياسية، أثر كبير وهام على قوة أبناء الطائفة ونظرتهم إلى أنفسهم وبالتالي قوة عزيمتهم ونظرتهم إلى المستقبل! وعلى ضوء ما تقدم، يمكن لأبناء الطائفة العلوية في لبنان أن يحلموا كما يشاؤون (بنور الله وبواقعية)، وأن يخططوا ويعملوا! يمكن لهم أن يحلموا بالإصلاح والتصحيح، والتطوير والترقي، على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ علمياً وعملياً. كما يمكنهم أن يحلموا بغدٍ أفضل، يحققون فيه الاندماج التنوّعي التكاملي الخلاق، والذوبان في مجتمع لبناني واحد، يحفظ لهم هويتهم الثقافية والتراثية والأخلاقية المميزة، ويصحح لهم حالهم الديني والاجتماعي والسياسي.. يمكنهم أن يحلموا بكل ذلك، وبأكثر منه، وأن يعملوا على تحقيقه، وأن يحققوه فِعلاً! فمواردهم البشرية هائلة، ابتداءً من مخزون وأثر عراقة ماضيهم (إرثهم الحضاري والفكري الكبير) مروراً بطبيعة مناطقهم الخلابة الغنية وانتهاءً بمستوى ذكاء أفرادهم العالي.. يضاف إلى مواردهم تلك: المحيط العام حولهم، من سوريا اللاطائفية القوية الحضارية المنفتحة عليهم، إلى إيران القوة والمجد والدعم، إلى العراق الأصل والتراث والحضارة.. خاتمة أردتُ من بحثي هذا ــ على الإجمال ــ النقاطَ التالية: · كشف الظلم عن الطائفة العلوية.. · شد أزر المسلمين بوحدتهم وقوتهم.. · أن يعم الخير والسلام في كل بلد يوجد فيه مسلم، أو إنسان يحترم فطرته السماوية.. فكتبتُ بالصدق، وأشرتُ بالحق، وتغافلتُ عن تفاصيل لا يُغني ذكرها ولا يثمر.. أملاً بتحقيق ما صبوتُ إليه من بحثي المتواضع هذا. فأرجو من السادة القراء الأعزاء تجاوز زلتي، وإقالة عثرتي.. والدعاء لي، ومؤازرتي في مشروعي الإنساني الإسلامي الكبير.. والله غايتنا، وعليه اتكالنا؛ ونعم المولى ونعم النصير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سام محمد الحامد علي www.alaweenonline.com www.safwaweb.com www.freemoslem.com الحواشي والمراجع:
[1]كثرة التقولات والافتراءات من الأعداء والمغرضين لهذه الطائفة وأهلها.. وعدم تمكُّن بقية الإخوة من تغطية جميع الساحات تغطية كافية.. [2] يُقدَّر عدد المسلمين العلويين في لبنان بحوالي مئة ألف نسمة (70-100 ألفاً!)، معظمهم يسكن في طرابلس (نحو 65% في بعل محسن)، وغيرهم في عكار، والباقي موزعون بين بيروت والكورة والمتن الشمالي وقرية الغجر في مزارع شبعا. تم الاعتراف رسمياً بالطائفة العلوية بعد اتفاق الطائف، وفي 17/آب/1995 صدر عن مجلس النواب النيابي اللبناني قانون رقم /449/ مُنحت الطائفة بموجبه تنظيم شؤونها الدينية وإدارتها، وأوقافها، ومؤسساتها الخيرية والاجتماعية، طبقاً لأحكام الشريعة والفقه الجعفري؛ لكن لم يدخل هذا القانون حيز التنفيذ الفِعلي لأسباب خاصة بالطائفة العلوية ذاتها حتى عام 2003 حيث قام النائبان العلويان آنذاك أحمد حبوس وعبد الرحمن عبد الرحمن بتشكيل لجنة مؤقتة لمدة ثلاث سنوات تقوم مقام المجلس، وعيّنا المحامي بدر ونوس رئيساً لها. وفي 24/3/2007 تم انتخاب الشيخ أسد علي عاصي رئيساً للمجلس والمهندس محمد خضر عصفور نائباً له بالتزكية، ولم ينل هذا المجلس الاعتراف من الحكومة رسمياً حتى 20/3/2009! [3]راجع مهتماً بحث: العلويون في سوريا. (العلويين في سوريا ــ العلوية في سوريا) [4]قال البحاثة العالمي باتريك سيل: وظلت سرعة التكيّف خاصية علوية. [الصراع على الشرق الأوسط، باتريك سيل، دار الساقي ــ لندن، ط1988، ص44] [5]من الباحثين والدارسين مَن قسَّم هجرات العلويين إلى ست هجرات، أولى ابتدأ قبل ولادة المسيح (ع) وآخرها كان عند اجتياح ياوز سلطان سليم التركي عام (923هـ/1516م). [المسلمون العلويون مَن هم وأين هم، منير الشريف، مؤسسة البلاغ، ط2، الفصل الثالث: هجرة العلويين، ص86] [للاستزادة انظر: الإمام علي والعلويون ــ دراسة وتاريخ وتراجم، علي محمد الموسى، دار الفتاة، ط1. و: موسوعة: العلويون هم أتباع أهل البيت ــ فتاوى مراجعهم وشرح نص بيانهم، دراسة وتأليف الشيخ الدكتور محمد البادياني النيسابوري، دار الإرشاد، ط1 (لاسيما المجلد الأول: تاريخهم).] [6]قال الدكتور مراد وهبة: إن احترام الآخر وعدم التعرّض لعقيدته بالتكفير والاستبداد يفضي إلى المواطنة الصالحة، فيما الاعتقاد بأن ما يراه الشخص هو الحقيقة المطلقة يوصله إلى أن الآخر هو "العدو" وتنطبق عليه قاعدة: "لا تحاوره ولكن (استقصيه أو) اقتله"، ذلك أن قدسية التعصب تأبى على المتعصبين أن يقروا بالحقائق من باب: "حبك الشيء يعمي ويصم". [صحيفة الأهالي ــ القاهرة، 6/5/1992م] [7]قال الباحث سمير عبده: والعلوية ليست عرقاً أو جنساً أو قومية أو ديناً، ولكنها عربية إسلامية تنتمي إلى آل البيت انتماءً مطلقاً. [العلويون في سوريا، سمير عبده، ص63] [تضم العلوية أعراقاً وأجناساً وقوميات مختلفة (تركيا، إيران، سوريا..)؛ وليست ديناً لأن الدين هو الإسلام. المؤلف سام علي] [8]استعملتُ عبارة "المذهب العلوي" مجازاً.. [9]الهداية الكبرى، الحسين بن حمدان الخصيبي، مؤسسة البلاغة، مقدمة الناشر، ص16. [انظر للاستزادة: رفع الشبهات، محمد أحمد علي، دار الفرقد ط1، ص27] [10]النهج العلوي في الفقه الإسلامي، الشيخ الدكتور محمد علي حلوم، دار عماد، ص18. [11]المسلمون العلويون مَن هم وأين هم، منير الشريف، مؤسسة البلاغ، ط2، ص109. [12]انظر: رد الشيخ عبد الرحمن الخير على الدكتور شاكر مصطفى ــ رسالة تبحث في مسائل مهمة حول المذهب العلوي الجعفري، مكتبة الشرق الجديد، ط5. و: يقظة المسلمين العلويين، الشيخ عبد الرحمن الخير، مكتبة الشرق الجديد. و: العلويون بين الغلو والفلسفة وبين التصوف والتشيع، الشيخ علي عزيز الإبراهيم، قدَّم له الإمام محمد مهدي شمس الدين، مؤسسة الأعلمي، ط1. |