الخصيبي PDF Print E-mail
Written by د. سام علي   

ضوء على شخصية الشيخ أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي
بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وآله الطاهرين، وصحبه المنتجبين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد!
قلتُ في دراسة لي سابقة أن المرء يجد نفسه حائراً بين صورتين مختلفتين وهو يبحث في الشخصيات الجدلية، أو التي تناقضت فيها الأقوال![1]

وقلتُ أنه لا غرابة في هكذا تناقض أو جدل حول مثل تلك الشخصيات، محمد بن نصير أو الحسين بن حمدان الخصيبي، إذ جُلّ الشخصيات الشيعية الدينية الألمعية لاقت المصير نفسه!
وبيَّنتُ بأنني لستُ بصدد الدفاع أو تفنيد الأقوال والآراء.. وإنما بصدد تنوير مَن أراد النورَ وطَلَبَهُ ولم يرضَ عنه بديلاً..!
فالنور هو الحقيقة، مُرّة كانت أم حلوة؛ والنور هو الحق، وهو الخير..
وقدَّمتُ فرضيتين حول حقيقة الشخصية المراد دراستها تطرحان نفسيهما بكل قوة، هما:
·   إما أن يكون هناك شخصيتان تُدْعيان بنفس الاسم، واحدة مذمومة وأخرى محمودة.
·   وإما أن تكون مسألة "براءة فريق من تابعي أئمة آل بيت رسول الله ــ ص ــ" من بعض المنسوب إلى تلك الشخصية مسألة مُغالى بها وتُستعمل لأغراض غير حميدة!
ودمجتُ الفرضيتين بفرضية واحدة تقول:
نُسِبَ إلى الشخصية المدروسة، أو رُؤيَ منها، ما لا تطيقه العامة أو ما يغرب عليها فهمه[2]، فأُسيءَ الظن بها وكِيلت التهم ضدها[3].. وهذا حال بعض أهم رجال مدرسة آل بيت رسول الله ــ ص ــ.
وقدَّمتُ نبذة مختصرة عن تلك الشخصية المدروسة ثم شهادة خيرة أعلام علماء الشيعة ببعض الشخصيات الدينية الشيعية المعتبرة المشابهة لها في صورها وفي المنسوب إليها[4] والتي طالها نقد بعض علماء أبناء طائفتها.
أما في مقالتي هذه فسأكتفي بما اقتبستُ من مقدمة دراستي السابقة، وبنقل أهم ما قيل في الشيخ الخصيبي بقلم ثقة عصره وفريد دهره، العلامة الأمجد والمجتهد الأكبر، الإمام السيد محسن الأمين ــ رحمه الله ــ وبعض صفوة الأقوال حول الشيخ المذكور، وسأستغني عن القيام بمقارنة شخصية الشيخ الخصيبي مع مثيلاتها لعدم الحاجة إلى ذلك وكفاية المادة المقدَّمة؛ والله حسبي، وبه أعتصم..
{الحسين بن حمدان بن خصيب الخصيبي الجنبلاني، أبو عبد الله. توفي في ربيع الأول سنة (358)هـ.
نسبته إلى "جنبلاء" بليدة بين واسط والكوفة.
قال الشيخ في الفهرست: الحسين بن حمدان بن خصيب له كتاب "أسماء النبي"، و: "أسماء الأئمة"، وذكره في كتاب رجاله فيمَن لم يروِ عنهم ــ عليهم السلام ــ فقال: الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلاني يُكنى أبا عبد الله، روى عنه التلعكبري وسمع منه في داره بالكوفة سنة (344)هـ وله منه إجازة.
وفي التعليقة: كونه شيخ إجازة يشير إلى الوثاقة، ولعل ما في الخلاصة[5] من ابن الغضائري[6] وفيه ما فيه.
أقول (والقول للعلامة الأمين):
لا يبعد أن يكون أصل ذمه من ابن الغضائري الذي لم يسلم منه أحد، فلذلك لم يعتن العلماء بذمومه، وتبعه النجاشي فوصفه بفساد المذهب والتخليط[7]، وتبعه صاحب الخلاصة؛ والقدماء كانوا يقدحون بفساد المذهب والتخليط لأشياء كانوا يرونها غلواً وهي ليست كذلك!
ولذلك لم يقدح فيه الشيخ بل اقتصر على رواية التلعكبري عنه واستجازته منه.
وفي الرياض: فاضل عالِم محدِّث من القدماء.
وفي لسان الميزان: الحسين بن حمدان بن الخصيب الخصيبي: أحد المصنفين في فقه الإمامية. ذكره الطوسي والنجاشي وغيرهما، وله من التآليف: "أسماء النبي"، و: "أسماء الأئمة"، و: "الأخوان"، و: "المائدة". وروى عنه أبو العباس بن عقدة وأثنى عليه؛ وقيل أنه كان يؤم سيف الدولة، وله أشعار في مدح أهل البيت.
وذكر ابن النجاشي أنه خلط وصنَّف في مذهب "النصيرية" واحتجَّ لهم. قال: وكان يقول بالتناسخ والحلول.
ومن الغرائب في هذا الكلام قوله "وصنَّف في مذهب النصيرية واحتجَّ لهم"، فإن ظاهره نسبة ذلك إلى قول النجاشي وهو كذب عليه صريح لِما سمعتُ من كلامه الذي ليس لذلك فيه عين ولا أثر وليس ذلك كلاماً مستأنفاً لقوله بعده: قال: وكان يقول بالتناسخ والحلول. مع أنه كذَّب نفسَه سواء أَنسب إلى النجاشي أم لا، وما كان سيف الدولة ليأتم به وهو يقول بذلك، ولا غرابة في افتراء هؤلاء النسب الباطلة إلى العلماء، فقد قال صاحب الشذرات أنه شهد بدمشق على الشيخ محمد بن مكي العاملي ــ وهو من أعاظم العلماء العاملين ــ بانحلال العقيدة واعتقاد مذهب النصيرية واستحلال الخمر الصرف وغير ذلك من القبائح فقُتل مع أنه إنما قُتل على التشيّع كما صرَّح به محمد بن علي الحسيني الدمشقي في ذيل تذكرة الحفاظ المطبوع.}[8]

{فصل المقال: بيان الحقيقة وميزان الطريقة} 

رُمي الشيخ الخصيبي بالغلو، واتهم بالكفر، من جل علماء الشيعة، مع العلم اليقيني أنه كان شيعياً صادقاً في تشيّعه بدليل أن سيف الدولة الحمداني المعروف بصحة عقيدته كان يأتم به أثناء الصلاة، وأنه قد صلَّى على جثمانه حين وفاته؛ وكتابا الشيخ "الهداية" و: "المائدة" شاهدان ناطقان على صحة عقيدته. وإن ما اتهم به لَهو محض افتراء.[9]
وقد قرر علماء الطائفة العلوية بالإجماع، ووافقهم سائر أبناء طائفتهم، بأن الخصيبي من أبعد الناس عن المعتقدات (الباطنية) الفاسدة والآراء (الغلوية) الحائدة، وذلك لصحة معتقده الذي كان يعتقد به، وأحقية مذهبه الإمامي الذي كان يتمذهب عليه.[10] وأن ما ثبت أنه للشيخ الخصيبي هو ما وافق نهج الأئمة المعصومين ــ ع ــ، وأما ما شذ عنهم فهو منسوب إليه من قِبل أصحاب النفوس الحاقدة والعقول الجامدة. [11]
قال المرجع الأبرز للطائفة العلوية في العصر الأخير، علامة الجيل، الشيخ سليمان الأحمد[12] ــ رحمه الله ــ:
الحسين بن حمدان الخصيبي: من رجال الشيعة الإمامية ورواتها، تبحَّر في علوم آل محمد ــ ص ــ روايةً ودرايةً، واستنكههما إلى غايةٍ يتعسَّر، بل يتعذَّر، على أحدٍ من بعده أن ينالها، فضلاً أن يفوقه بها؛ وقد تضاربت فيه أقوال الرجاليين بين موثِّق ومبدع.. كما تقتضيه الآراء والأهواء. ومهما يكن من أمرٍ فقد روى عن الثقات، وروت الثقات عنه، ومَن يروي عنه الثقة فهو ثقة في اصطلاح فن الرجال.[13]
 
إذاً، هذا هو الشيخ الخصيبي الذي تتبعه طائفة من المسلمين، ولو كان غير ذلك لَما اتبعه أحدٌ من محبي آل البيت ــ ع ــ ومواليهم؛ أما ما نُسب إليه خلاف الذي أوردناه فلا شك أنه: إما محض افتراء، أو: تقوّل جاهل مفتون أَخَذَ بما لا يصح ولا يثبت.. ولا يلزم الشيخ الخصيبي ولا أحد من أتباعه أيّة مسؤولية أو تبعة من ذلك كله!
 
وبهذه الفقرة أُنهي بحثي المتواضع ــ هذا ــ، وأسأل اللهَ أن يتقبَّله خير تقبُّل، مع قلّة ما قدَّمتُ، وفقر ما أوردتُ، وضعف ما بنيتُ، فإنما الأعمال بالنيات، وهو الشكور الحميد! وأسأله أيضاً أن يجعل لِما كتبتُ نصيباً في هداية مَن استحق الهداية ونوراً يُضيء ويساعد لبلوغ الغايات الرفيعة كما أملتُ؛ فله أخلصتُ، وعليه توكَّلتُ، وبه اكتفيتُ.. وهو ــ وحده ــ غايتي وحسبي..
 
الفقير لله تعالى، الراجي عفوه:
سام محمد الحامد علي
www.freemoslem.com
www.safwaweb.com
www.alaweenonline.com
الحواشي:
[1] انظر بحث: ضوء على شخصية السيد أبي شعيب محمد بن نصير.
[2]أشهر ما تُعرَف به علوم آل محمد ــ ص ــ: الصعوبة والوعورة وعدم تحمُّل عوام الناس لها، ولهذا قيل: علمنا صعب مستصعب لا يحمله إلا نبي مرسَل أومَلَك مقرَّب أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان.
[3]أقول قولي هذا مُبرِّئ كل موالي آل بيت محمد ــ ص ــ من الغلو والشرك، ومتبرِّئ منهما..
[4]ما ذنبُ الشخص المتهم إنْ استُعمِل اسمه في بدع هو منها براء، أو نُسب إليه ما يخالف معتقده..
[5]في الخلاصة: الحسين بن حمدان الجنبلاني الحضيني أبو عبد الله كان فاسد المذهب كذَّاباً صاحب مقال ملعون لا يلتفت إليه.
[6]عن ابن الغضائري أنه قال: الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلاني أبو عبد الله كذَّاب فاسد المذهب صاحب مقالة ملعونة لا يُلتفَت إليه.
[7]قال النجاشي: الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلاني أبو عبد الله فاسد المذهب له كتب منها كتاب "الأخوان"، "المسائل"، "تاريخ الأئمة"، "الرسالة": تخليط!
[8] أعيان الشيعة، الإمام السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، ط5، مج9، ص150-151.
[9]الشيخ علي الخطيب ــ زاهد. [انظر مقدمة كتاب: الشيخ الخصيبي قدوة مثلى يحتذى، تأليف الشيخ حسين محمد المظلوم، دار المحجة البيضاء، ط1، ص12]
[10]الشيخ الخصيبي قدوة، المظلوم، ص27.
[11] المرجع السابق، ص122.
[12] ولد الشيخ سليمان الأحمد في قرية الجبيلية سنة (1287)هـ، وتوفي سنة (1361)هـ ودفن في قرية السلاطة. كان عضوَ المجمع العلمي العربي في دمشق، وكان يعتبر بحق موسوعة إسلامية كبرى، وقد تخرج على يديه كبار العلماء والفقهاء والشعراء والأدباء في الجبل العلوي، وله فضل كبير على أبناء شعبه.
[13]الشيخ الخصيبي قدوة، المظلوم، ص17.

 
English Arabic French German Italian Russian Spanish